نور

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين

﴿الحمدلله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا

ان هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق﴾(الاعراف:43)

والصلاة والسلام على حجّة الحق على الخلق سلطان الانبياء وبرهان الأصفياء حبيب ربِّ العالمين وعلى آله وصحبه أبد الآبدين

 

اعلم!(1) إنه ما منْ سهل ولا جبلٍ ولا وادٍ ولا بادٍ ولا بحرٍ ولا بَرٍّ ولا قطعة ولا بقعة في اقطار الأرض الاّ وقد تزاحمَتْ عليها انواعُ سكّاتِ الأحدِ الصمدِ، حتى كأن هذا الجبلَ - مثلاً - يُعلَمُ أَنَّهُ مملوكُه سبحانه بعدد ما فيه من مماليكهِ المتوطنةِ فيهِ من اقسامِ الحيواناتِ واصنافِ الاشجارِ.. وكذا يُعرَف أنّه مصنوعُهُ تعالى بعدد شهاداتِ ما ضُرِبَ عليه من سكّاتهِ المتلألئة عليه من اجناسِ النباتات واَنواع الطيور.. ويُفهَم أنَّهُ مكتوبُهُ جلّ جَلاله بعدد ما ضُرِب على جوانبهِ من خواتمهِ سبحانَهُ من مُزيّنات الأزهار وجميلات الأثمار. فاذا عَرَفْتَ ان النَّحلَ والنَّخلَ - مثلاً - مالُهُ وصُنعُهُ سبحانه تعرِفُ ان كلَّ ما يُوجَدُفيه نحلةٌ او نخلةٌ هو ايضاً مُلكُه. وهكذا الكلُّ شاهدُ الكلّ. وكلٌ دليلُ كلٍّ.

والدليل على انّ السكّاتِ والخواتمَ في جميع الأقطار لِمَلِكٍ واحدٍ ومالكٍ صمدٍ؛ وحدةُ زمانِ ضَربها ووضَعِها. ففي آن واحدٍ يُوجَدُ ما لايُحدّ في أقطار الأرض من المتماثلات من أجناس الأشياء.

فما هذا التوافق في الوجود والايجاد والصورة والإنشاء والزمان إلاّ لأن صانعَها واحدٌ أحدٌ لايمنعُه فعلٌ عن فعل ولايُشغلُهُ شأنٌ عن شأن ولا يلهيه قولٌ عن قول ولا يختلطُ عليه سؤالٌ - قولاً أو حاجةً او استعداداً - بسؤالٍ كذلك، جلّ جلاله ولا اله الاّ هو.

اعلم!(2) انّك إن شئْتَ أنْ ترشُف إعجازيةً اُفيضتْ على قلبي من عمان القرآن.. فاستمعْ بقلبٍ شهيد ما اخاطب نفسي.

أيها السعيد الغافل حتى عن نفسه وعن غفلته!.

ان الغفلةَ والكفرانَ والكفرَ تأسسّتْ على محالات متضاعفة متسلسلة غير محصورة؛ ِاذْ اذا نظرتَ الى ايّ شيء كان لاسيما من ذوي الحياة ثم غفلتَ بسبب عدمِ الاسنادِ اليه تعالى - اي الى الاله الواحد - لَزِمتك هذه المحالات العجيبةُ بقبولِ آلهاتٍ بعدد أجزاء التراب والهواء والماء.. بل بعدد الذرات ومركباتها.. بل بعدد تجليات الله.. ولو أمكن عدمُ الاسناد لما لَزِم من فرضِ وقوعِهِ محالٌ - اذ اذا لَزِمَ المحالُ فهو ممتنعٌ، لاممكنٌ، مع انه لايلزمُ محالٌ واحد - بل محالاتٌ غير محصورة.

امّا لزومُ آلهاتٍ بعددِ أجزاءِ التراب: فلأنّك تعلم ان أيّ جزء من التراب ترى، يَصْلُح لحصول أيِّ نباتٍ وشجرٍ وأيَّةِ زهرة وثمرةٍ.. فاِنْ شِئْتَ عين اليقين فاملأ قصعَتك هذه من التراب.. ثم ادفن فيها نواةَالتين حتى تتشجّر تينةً مثمرةً.. ثم اقلعها وأدفنْ بَدَلَها نواةَ الرُّمانةِ. ثم بعدُ نواة التّفاح.. ثم.. وثم.. وثم.. حتى تستوعب جَميعَ الاشجارِ المثمرةِ، وقد ترى كم ما بينها من التفاوتِ في الجهازاتِ المنظمةِ والتشكلاتِ الموزونة.

مثلاَ: لو كانت (الماكينة القَدَرية) المندمجة في نواة التينة (كالفابريقة) التي تصنع السكرَ من النباتاتِ لكانت (الميكانيكية القُدرتية) المندرجة في نواةِ الرّمانة كالماكينة التي تنسج الحرير وهكذا فقس. ثم ادفن بدل نواةِ الأثمار كلَّ واحدٍ من بذور الأزهار، بذراً فبذراً، واحداً بعد واحد الى ان لاتبقى بذرةٌ في الدنيا الاّ وقد دخلتْ في قصعتك ذرّةً ميتةً جامدةً ثم خرجتْ حيةً متسنبلةً متزهرّة.

فياصاحبَ القصعةِ إنّ حصلتْ غفلتُك من مذهب المادّيين؛ لزِمك البتة وبالقطع واليقين الأوليّ - لادامة غفلتك - ان تقبل وجود (فابريقات) معنوية بعدد الاشجار (وماكينات) بعدد الأزهار في قصعتك هذه. فلو كان المرجع (الطبيعة) لزِمَ ان يكون للطبيعة في كلِّ جزءٍ من التراب بل في ذرّةٍ مطبعات غير محصورة.. وما النواتاتُ والبذورُ الاّ أمورٌ متماثلة في المادة ومشابهة في التشكيل ومتقاربة في الشكل.. وما هي الاّ كمثل مثقالٍ واحد من قطن مع انه يُنسَج منه قناطير مقنطرة من أثواب الحرير والجوخ والصوف وغيرها. وآية ﴿خَلَقكم من نفس واحدة﴾(النساء:1) وآية ﴿خَلق كلَّ دابةٍ من ماء﴾(النور:45) وغيرهما، تشير الى ان المادة التي تُخلَقون منها لـمّا كانت واحدة لامركبة كمثل أحدكم، بل أصغر، لايمكن ان تكون مصدراً تنشقون منه أو منشأً تُصنَعون منه، للزوم كونِ المصنوع منه أكبر أو مساوياً للمصنوع، على ان ايجاد البذور والنواتات - التي كل منها مع بساطتها كأنّها مِسطر قُدّرت خيوطُه بهندسة القَدَر، ومع صغرها كأنّها أصلٌ متضمن لمجموع دساتير وجود ماهو كأصلها - مع ابداعها في رقائقِ نهاياتِ دقائق حدودِ أغصان الشجر واعضاءِ

 

النبات.. من أصدق شاهدٍ على أن خلَقها هكذا لا يُتصور الاّ ممن خَلق السموات والأرض، الذي تتساوى بالنسبة الى قدرته الذرات والشموس.

وإن نشأتْ غفلتُك من مذهب الطبيعيين، لَزِمك لحفظ غفلتك - ان كنت ذا شعور - ان تقبل في قصعتك وجود قدرةٍ بصيرةٍ خارقةٍ، بحيث تقتدر على تصوير جميع الأثمار والأزهار وانشائها وابداعها.. وكذا وجود علمٍ محيطٍ بتفاصيل خواصها وخاصيّاتها.. وكذا وجود اِرادة علمية بتفاريق موازينها ولوازماتها.. وهكذا من سائر الأسماء المطلقة المحيطة التي لايمكن ان يكون مسمىً لها:

الاّ مَن ﴿يطوي السّماء كطيّ السّجل للكتب﴾(الانبياء:104) ومَنْ؛ كما ان الأرضَ قبضتُه يتصرف فيها كيفما يريد، كذلك القلبُ بين أصبعيه يقلّبه كيفما يشاء، لا يُشغله كبيرٌ عن صغير، ولا يُلهيه خطيرٌ عن حقير..

والاّ مَن يتجلّى بنور قدرته على العرش والشمس والذّر، باليسر والتساوي؛ كانعكاس الشمس على البحر والمرآة والقطرات بكمال السهولة والمساواة في ماهية الفيض وان تفاوتت الكيفية التابعة للقابلية.

كما يشهد لهذا السرّ ما يشاهَد في الربيع من الجود المطلق نوعاً.. في الاتقان الأكمل - شخصاً - في السهولة المطلقة، في السرعة المطلقة في ايجاد ما لايحدّ من أفرادِ ما لايعدّ من أنواع الأزهار والأثمار المنثورة والمنشورة في غالب وجه الأرض في زمان واحد..

ثم أفرغ قصعَتك في هذا التراب واملأها من صُبرة الأرض واعمل في هذا أيضاً كل المعاملة الجارية في أخيه الأول، ثم جدّد الكيل والمعاملة الى ان تكيل كل التراب.

كما يشهد لمساواة المعاملة في كلّ كيلٍ جريانُ المعاملة بالفعل في الجملة في غالب وجه التراب بظهور اشتات أفراد كثيرٍ من الأنواع في ما صادفته من صفحات التراب في سيرك في الأرض.

ثم توجّه الى الهواء والماء والضياء فَزِن وكِلْ بقسطاس قصعتك تخرج لك النتيجة سواءً بسواء.

هذا بالنظر الى جميع أفراد جميع الأنواع، والحال ان كل فرد واحد من كلّ زهرة وثمرة وحيوان وحُوَيْنَةٍ كقطرة محلوبة معصورة من كل الكون ومأخوذة من أجزاء العالم بموازين دقيقة حسّاسة وبنظامات رقيقة جسّاسة لايقتدر على خلقها هكذا الاّ مَن في قبضته تصرف كل الكون، فيعصر تلك القطرة من تلك الكائنات بموازين ومقادير قَدَره ان شاء النشوّ(3)، او يُبدع مثالاً مصغراً يكتب في نسخته مآل ما في الكائنات، إن أراد الإبداع وايجاد الأيس من الليس(4)، كما هو الحق أو الأكثر المطلق.

واما لزوم ذي الكفر والكفران آلهةً بعدد ذرّات العالم فقد مرّ في (حَباب) و(قطرة) وغيرهما.. [4] وامّا بعدد تجليّات الله، فقد مرّ في ذيل (شعلة) زبدته؛ كما أن تماثيل الشمس المتجلية على الشفافات والقطرات اِذا لم تسند الى الشمس الواحدة بالتجلّي السهل، لزِم قبول شموس بالاصالة في كلّ شفاف وقطرة وذرة متشمسة.

فان تفهمتَ ما تلوتُ على نفسي تفطنتَ للمعةٍ من انوار أعجاز بيان القرآن من جهةِ المعنى، إذ هذه المسألة رشحة من رشحات بحر اعجازه الزاخر المعنوي.

اعلم!(5) ان الايمان إكسير يقلِبُ فحمَ المادة الفانية ألماساً مصنّعاً مرصّعاً باقياً بمعناه بنسبته الى الصّانع الباقي.. والانسان بالكفر

يعكس فينتكس، اذ كما انه يوجد في مصنوعات البشر ما تكون قيمةُ مادته خمسة دراهم، وقيمةُ صنعته الوف الدنانير، وتتزايد القيمة بكون صانعه شخصاً مشهوراً خارقاً عتيقاً.

كذلك في مصنوعات الصانع القديم ﴿الّذي خَلقَ السّموات والأرض في ستّة أيّام﴾(الاعراف:54) وزيّن السماء بمصابيح، والأرض بأزاهير. بل من أغرب مصنوعاته (الانسانُ) الذي مادتُه (صلصال كالفخار) ينكسر ويتمزّق بسرعة، ماقيمته الاّ شئ قليل.. واما ما فيه من الصنعة فأمرٌ عظيمٌ تزيد قيمتُها على قيمة المادة بدرجات لاتعد ولاتحصى.. اذ الانسان بنقش الصنعة قصيدةٌ منظومةٌ من لطائف آثار جلوات الأسماء الحسنى.. ومرآة مجلوةٌ لتجليات اشعّات شؤون شمس الأزل والأبد.

فالايمان نسبةٌ يُنسِبُ الانسانَ الى مالكه، وجهةُ النسبة انما تنظر الى الصّنعة، فيكون مدار النظر حينئذٍ الى المصنوعية والصنعة. فبالايمان تزيد قيمةُ الانسان الى ان تصير الجنة ثمنَه، وتكون الخلافة رتبتَه، ويطيق على حمل الأمانة.. واما الكفر فهو قاطع النسبةِ، وقاطع الوصلة.. فاذا انقطعت النسبة استتر الصنعُ، وانتكست الصنعةُ واختفى التجلي، وظهرت المادةُ، وانقلبت المرآة وسقطت القيمة الى دركة يتمنّى الكافرُ العدمَ، أو ينقلب تراباً.

الحاصل: ان الانسان كماكينة مشتملة على ملايين آلاتِ الوزنِ وميزاناتِ الفهم، توزن بها مدخرات خزينة الرحمة.. وجواهر ثروة الكنز الخفي. حتى اُودعَ في اللسان فقط جهازاتٍ للوزن بعدد المطعومات، ليحسّ ذوو اللّسان بانواع دقائق نِعَم الحق.

فاذا استعمل تلك الماكينة امينُ يمين يُمن الايمان أثمرت ثمرات واورثت آثاراً عند مَن لايضلّ ولاينسى.

واما اذا ما وقعت في يد الكفر صارت كمثل ماكينة غالية القيمة بلا مثيل، اخذها وحشيّ لايعرف ما هي، فاستعملها في خدمة النّار - كآلة عادية - حتى أحرقها.

فيامَن بيده ملكوتُ كل شئ، وبيده مقاليدُ كل شئ، ويامَن هو آخذ بناصيةِ كل شئ، ويامَن عنده خزائن كل شئ، لاتكِلنا الى أنفسنا، وارحمنا، ونوّر قلوبنا بنور الايمان والقرآن.

﴿إن وَعدَ الله حقٌ فلا تَغرنّكُمُ الحياةُ الدنيا ولا يَغرنّكُم بالله الغرور﴾ (لقمان:33)

اعلم!(6) أيها السكران السفيه الغافل الضّال! تورطتَ في مزبلة الدنيا فتريد اضلال الناس بتصوير تلك المزبلة معدن السّعادة ليتخَفّف عنك. فان امكن لك قلب أربعِ حقائق فاصنع ما شئت.

احدها: الموت. مع انّك لاتقلِب، بل تبدّل الموت الذي هو تبديل لمكان في نظر المؤمن اعداماً أبدياً.

والثاني: العجز في مقابلة الحاجات والأعداء الغير المحصورين، مع انك تحوّل العجز المنجر للاستناد الى القدير المطلق - كأن العجز داعٍ يدعوك اليه - الى عجز مطلقٍ مع اليتم وعدم نقطة الاستناد..

والثالث: الفقر في الأكثر المطلق، مع انك تصرّف الفقر - الذي هو وسيلة التوجه الى خزينة الغني المطلق كأن الفقر تذكرة دعوة - الى فقرٍ مظلمٍ مؤلم متزايد بتزايد رذائل المدنية.

والرابع: الزوال؛ اذ زوال اللذة ألمٌ دائم. فلا خيرَ في لذةٍ لاتدوم. مع انك تحول الزوال - الذي هو وسيلة الوصول الى اللذة الباقية ان قارن نية صالحة - زوالاً أليماً، لا الى بديلٍ، مورثاً آلاماً وآثاماً.

فمَن ينتظر الموت دائماً.. ويحيط به العجز.. ويستولي عليه الفقر.. وهو على جناح السفر.. انما ينخدع بسفسطياتك حالةَ السُكر فقط، والسُكر لايدوم. [5] فالتي تسميها سعادة الحياة هي عين شقاوةِ الحياة من كل الوجوه، وانما تكون سعادة ظاهرية بشرط دفع الموت

أو نسيانه على الاطلاق.. ورفع العجز أو الغرور المطلق.. ودفع الفقر. أو الجنة المطلقة ودوام الخلود أو تسكين جرخ الفلك.

نبّهني الله واياكم عن نوم الغفلة الذي تظنون فيه اليقظة الكاذبة - التي هي انغماسٌ في غمرات النوم - انتباهاً، وأفاقني الله واياكم من الجنون المطلق الذي تتوهمونه عقلاً منوراً.

اعلم! وانظر كيف أدرج الصانعُ القدير ملايين عوالمٍ من أنواع الحيوانات والنباتات في سطح الأرض، كل عالمٍ كبحرٍ صارت قطرات للتوظيف، كتوظيف النمل لتنظيف وجه الأرض من جنائز الحُوَينات. وقد أطبقت تلك القطرات على وجه الأرض.. أو ككلِّ ذي اُجزاء صار ككليّ ذي جزئيات.

كما ان الماء والهواء والضياء والتراب لاسيما الثلج كقطرات صارت بحراً لتماثل الوظيفة، ووحدة الأمر، وتلقي الأمر الوحداني. فاجزاء الأربعة ككلياتِ تلك، مشعورةٌ معلومة موظفةٌ. فتداخلت تلك العوالم الغير المحصورة واختلط الكلّ بالكلّ واشتبك، مع ان الصانع الحكيم ميّز كلَّ واحدٍ عن كلِّ واحدٍ بتشخصّاته المخصوصة ولوازماته المشخّصة، فاظهر نهاية الامتياز في غاية الاختلاط، بحيث يَضعُ عالمَ النمل أو الذباب - مثلاً - فيما بين أجزاء عوالم ذوي الحياة بايجادٍ يخصّه ثم يرفعه بإماتة تخصّه، كأن سطح الأرض وطنُه فقط، فلا تتشوش حياةُ الخاصة ولامماتُها المعين. فنسبةُ عالمٍ الى سائر العوالم المجاورة له، كنسبة حُسن انتظام تربيةِ فردٍ - مغمور في الأفراد - الى تدبير النوع. لايُشغل الصانع هذا عن ذاك، ولا ذاكَ عن هذا.

فيا مَن غشي بصَره بالطبيعة! وختم قلبَه بالطبع! ان تصورتَ الطبيعة الموهومة - التي لو تحققت لكانت كالمطبعة - طابعةً صانعةَ لَزمك ان ترى للطبيعة في كلّ جزءٍ من التراب مطبعات مكمّلات تزيد على جميع مطابع المدنيين.

 

اعلم! ايها الحيوان! لا تفتخر هكذا على النبات؛ اذ تفنّن الصنعة في اختك اتمُّ منها فيك. ألا ترى ان أجناس الحيوانات متقاربة أو متماثلة في لحومهم مع ان لحومَ أجناسِ الثمراتِ حتى أنواعها بل حتى أصنافها متفاوتة متخالفة؟ فهذا امارةٌ على ان قلمَ القُدرةَ تأنّقَ فيها. وكذا اِنَّ بركةَ النسلِ في الحيوانِ والبشرِ اذا كانت سبعاً ففي النباتِ والشجر سبعون، وسبع مائة، وسبعة آلاف. الاّ السمك فانه لأجل ضعف الحسيات الحيوانية فيه ملحَقٌ بالنباتات. تشير هذه الحالة الى انه للإطعام كالحَبّ.. فهذا علامةُ الخيرية والأهمية فيه.

وكذا ان اختك النبات والشجرَ مخدومةٌ متوكلةٌ، يجئ اليها رزقُها ورزق أولادِها الكثيرة. حتى كأنَّ جرثومةَ كلِّ شجرٍ متصلةٌ بخزينة الرحمة، لها منها منفذٌ اليها. فتقسمُ الرحمةُ عليها ما يوافقُ حاجاتِها المتخالفةَ فتعطي الوالدتين لبناً خالصاً - ولبنات الرّمان شراباً طهوراً - ولابناء الزيتون دهناً مباركاً.. وللجوز زيتاً منوّراً.. وهكذا فهذا آية (الحرمة)(7).

فيا أيها الحيوان المتكبر ان سبب ترجيح مرجوحِك بمراتِبٍ عليك بثلاث مراتبَ هو أنانيتُك ومرضُك واختيارُك فأسْلِمْ تسْلَمْ.

﴿وخُلِقَ الانسانُ ضعيفاً﴾(النساء:28)

اعلم!(8) أيها الأنسان! لا تتكبر على الحيوان، ان سببَ رفعتِك على سائر الحيوانات انما هو ضعفُك وعجزك، كما انَّ الصبيَّ يحكم على والديه واخوانه بقدرة عجزه وقوة ضعفه.. هل ترى في الحيوانات أعجزَ منك في تحصيل لوازمات الحياة، بل ما يحصل لك بالتجارب والتدرّس في عشرين سنةً - مما يلزم لحفظ حياتك - يحصل للحيوان في عشرين يوماً، وبعضاً في عشرين ساعة، وبعضاً فيعشرين دقيقة، بل فردُه برأسه يساوي في حفظ الحياة الحيوانية جماعةً متعاونةً منكم. كما ان فرداً منكم يساوي أنواعاً منهم، من جهة كمال الانسانية المنحصرة في الاسلامية والعبودية.

ياهذا ويا أنا! إما تصير أدنى من أدنى الحيوانات وأذلَّ واعجَزَ. واِما تصير أعزَّ وأكملَ من أنواعها. فاختَر ما شئت.. فاذ هذا هكذا فاعرف عجزَك وضعفك. واعلم بان قدرتَك وقوتَك في الدعاء والبكاء لدى مالكك.

وأما ما تفتخر به من المصنوعات الانسانية فمن أثرِ إلهامه، وخَلْقه، وإكرامه، ليجمع بك أشتاتَ الأنواع المتخالفة، لاظهار حُسن غريب، وايجاد كتابةٍ عجيبةٍ، وتشهير مصنوعاته المختلفة مجتمعةً، واذاقة مراتب نِعَمه الحاصلة من تمزيج بسائط النعم بهندسة هَوَسات الانسان.

اعلم!(9) يامَن يتوسوس من اختلافات الروايات في أمثال مسألة المهدي، وقرب الساعة والملاحم الاستقبالية! أتريد ايماناً ضرورياً في كل مسألة؟ حتى في المسائل الفرعية التي ليست من ضروريات الاعتقاد؟! بل يكفي فيها القبول التسليمي، وعدم الرد، لا الإذعان اليقيني القصدي حتى تحتاج الى طلب البرهان القطعي.

ألا تعلم ان متشابهات القرآن كما تحتاج الى التأويل كذلك مشكلات الأخبار تحتاج الى التعبير والتفسير؟ فاذا صادفك روايةٌ مخالفةٌ للواقع - في نظرك الظاهري - فمع احتمال: ان تكون من الاسرائيليات.. وان تكون من أقوال الرّواة.. وان تكون من مستنبطات الناقلين.. وان تكون من كشفيات الأولياء المُحدَّثين المحتاجة للتعبير.. وان تكون من المسموعات المتعارفة بين الناس، يذكرها النبي عليه الصلاة والسلام لا للتبليغ السماوي بل للمصاحبة العُرفية للتنبيه.. يلزم الناظر ان لايَقْصر النظر على الظاهر.. بل يؤّل بتأويل تمثيلي كنائيمسوّقٌ لمقصدٍ اِرشادي.. أو يفسّرُ بتعبير كتعبير النائم في نومه ما رآه اليقظانُ في يقظته.. فكما تُعبّر أيّها اليقظان مارآه النائم، كذلك فعبّر أيُهّا النائم - ان استعطت َ- في غفلة هذه الحياة ما رآه اليقظانُ الذي لاينام قلبُه الذي هو مظهر ﴿مازاغ البصر وما طغى﴾(النجم:17).

ثم ان الحكمة في ابهام أجَل الشخص وموتهِ.. (لينتظره دائماً فيستعدّ لآخرته) هي الحكمة في إبهام الساعة، التي هي موتُ الدنيا لينتظرها أبناء الدنيا..

ومن هذا السر انتظَرها أهلُ كلِّ عصرٍ من عصرِ السعادة الى الآن، كما هي الحكمة الدافعة للغفلة العامة، وهذا الانتظار، من هذه الحكمة، لا من ارشادِ النبوة، في التعيين والحكم بالانتظار للوقوع، بل بالانتظار الذي يقتضيه الإبهام لدفع الغفلة. ولقد سهى مَن لم يميّز الحكمة من العلّة.

واما المهدي فلتقوية القوة المعنوية وردّ اليأس عند استيلاء الضلالة، ولتشجيع ذوي الهمم المجدّدين في الانسلاك في سلك نوراني إمامُه ورأسُه المهدي رضي الله تعالى عنه. فهذه الحكمة تقتضي الابهام ليُمكَن الانتظار في كلّ زمان.

اعلم!(10) أيها المسلم في الظاهر والاسم! مَثَلُك في تقليد الكفار في السفاهة ومعارضة الأحكام الاسلامية كمثل فردٍ من عشيرة يرى رجلاً عدوّاً من عشيرة أخرى يذم عشيرة الأول ويزيّف رئيسَها ويحقّر عاداتها، مستنداً الى عشيرته متمدحاً بمفاخرها. فيظنّ ذلك المسكين اَنْ لَو ذمّ هو أيضاً عشيرة نفسِه وحقّر عاداتها صار كذلك الرجل العدو! ولا يعرف ذلك أنَّهُ بهذا الردِ والارتداد، اِما مجنونٌ جرئ أو رذيل دنئ يكسر ظهرَهُ فيصير يتيماً طريداً.

ألا ترى ان الشخص الأوروبائي ينكر محمّداً عليه الصلاة والسلام ولكن يتسلى (بالخرستيانية)(11) المموّهة وبمدنيتهم المخصوصة الممزوجة بعاداتهم الملّية، فيمكن ان يبقى في روحه بعضُ الاخلاق الحسنة الدنيوية، وبعض الهمم العالية لأجل هذه الحياة الدنيوية. فلا يرى بسبب هذا التسلي ظلمات روحه ولايُتمَ قلبه.

واما أنت ايّها المرتد! ان انكرت محمداً عليه الصلاة والسلام وآثاره لايمكن لك قبول واحدٍ من الأنبياء. بل ولاقبول ربّك، بل ولاقبول شئ من الكمالات الحقيقية. فانظرْ الى دهشة التخريبات في روحك، وابصرْ شدة الظلمات في وجدانك، ووحشة اليتم واليأس في قلبك، وعن قريب يترشح قبحُ باطنِك الى ظاهرك فيصير حُسنُكم وجميلتكم المرتدّة أقبحَ من أقبح كافر. فالمرتدُ محرومٌ من الحياتين دون الكافر، اذ الكافرُ لهُ حقُ حياةٍ اِن لم يُحاربْ.

اعلم!(12) يامن يضيق صدرُه ولا يسع فكرُه عظمةَ بعضِ المسائل من الحقائق القرآنية كأمثال: ﴿خَلقَ السموات والأرضَ في ستة أيام﴾(يونس:3) و ﴿وما أمرُ السّاعة اِلاّ كَلَمْح البَصَر﴾ (النجل:77) و ﴿ما خَلْقكُم ولا بَعثكم اِلاّ كَنفسٍ واحدةٍ﴾(لقمان:28) و ﴿ثم نُفخ فيه اُخرى فاذا هم قيامٌ ينظرون﴾(الزمر:68) و ﴿يومَ نطوي السّماءَ كطيّ السجل للكُتُب﴾(الانبياء:104) وامثالها..

ان كتابَ الكونِ المشهود بآياته الشؤونية تفسّر تلك الآيات القرآنية، وتقرِّبُها الى فهمك بإراءة كثيرٍ من نظائرها المشهودة لعينك، في تلافيف اختلاف الليل والنهار، وفي معاطفِ تحولِ الفصول والاعصار.

فان شئت الشهودَ فافتح كنز آية ﴿فَانْظُر الى آثار رَحمتِ الله كيفَ يُحيي الأرضَ بَعد مَوتها اِنّ ذَلك لمَحيي الموتى﴾(الروم:50) لترى بعينك ما لايعد من المسائل العظيمة نظائرَ ما استبعدتَ!

مثلاً: تشاهد في الحشر الربيعي إحياءَ آلافِ عوالمَ من انواع النباتات والحيوانات التي ماتت في القيامة الخريفية. وايجاد كلٍّ منها بنظامات مخصوصة، وموازين معينة في أيام معدودة. مع ان لكلِّ واحدٍ من أكثر تلك العوالم وسعةً، بحيث يُزيّن أكثر وجه الأرض كبرقعٍ منمنم.. وهكذا مما لايحد ولا يحصى من الشّواهد المشهودة الصادقة.

فمما لا يحد من تلك العوالم انظر الى عالم الشجر.. ومما لا يعد من أنواعها الى نوع شجر التفاح.. ومما لا يحصى من أفرادها الى هذه الشجرة! لترى ثلاث حشرٍ ونشرٍ متعاقبة متداخلة.. بنشر أوراقها المهتزة المنتظمة.. وحشر أزهارها المزينة المنظومة.. واحياء اثمارها اللذيذة الموزونة.. فمن يفعلْ هذه الأفاعيل في سطح الأرض ويكتب بتقليب صحيفة الشتاء الوف صحائف كصفحة الأرض في الوسعة، هو الذي يخبر عن نفسه بانّه ﴿خَلَق السموات والارضَ في ستة أيام﴾ الى آخر ما مرّ.

اعلم!(13) ان لكل أحدٍ علاقات بالمحبة والشفقة مع أقاربه، ثم مع أفراد عشيرته، ثم مع أفراد ملّته، ثم مع أفراد نوعه، ثم مع أبناء جنسه، ثم مع أجزاء الكائنات. بحيث يمكن ان يتألم بمصائبهم ويتلذذ بسعاداتهم واِن لم يشعر. لا سيما مع من أحبّه لكماله من جماهير الأنبياء والأولياء والأتقياء. وكم من أحدٍ لا سيما اذا كانت (أُمّاً) تفدي نفسَها وتزيل راحتها لعلاقةٍ واحدة، ولمحبوب واحدٍ مما لايحد من

أودّائها.. فالغافل الحاكمُ على نفسه وعلى أودّائه حالة الغفلةِ باليُتم وعدم التعهد مُبتلىً بحمل آلامٍ لا تعد منهم، مع آلام نفسه واِن لم تشعر نفسُه السكرانة بعذابِ قلبه وروحه!. فلو ظفر هذا الغافل بجنةٍ - مثلاً - صار مِثل: الـذُبيبةُ المتلمعة في الليل لها لمعةُ نورٍ لكن استولت الظلماتُ الموحشة على جميع مناظرها ومحبوباتها ومأنوساتها، مع ان نورها الذاتي قد يضرّها باراءتها لرقيبها. واما اذا طرد الغفلة وردّ المُلك الى مالكه الحقيقي ينفتح لقلبه منفذٌ الى اشعّات شمسٍ سرمد، خطُّ استوائها الأزل والأبد، ورأى ان كل هذه المحبات المنتشرة على هذه المحبوبات الكثيرة كانت لهذا الواحد الذي يكفي عن الكل ويُنسيك الكل، ولا يكفي عنه الكل، بل ولا عن تجلٍّ من تجليات حبّه. فلو دخل هذا المؤمن الموقن جهنّماً - مثلاً - أمكن له باذن الله الظفر بجنّة روحانية بالتلذذ بالعلم بأن كل أودّائه مصونون من الفراق الأبدي، ومنعمون بالسعادة السرمدية.

فيا أيها السعيد الغافل؛ اترك نفسَك ووهمَ مالكيتك تظفر بسلامة جميع محبوباتك وسعاداتهم بتسليمهم لمالكهم الكريم الرحيم.

اعلم!(14) ان كل شئ بخلقه سبحانه، اِلا أن الشرور والقبائح والقصور والمساوي انّما تترتّب على لوازمات ماهيات الممكنات وقابلياتها، فيُجيب الخالقُ الجواد المطلق بالايجاد، كلَّ ما تسألُه الممكناتُ بألسنة استعداداتها.. فالحُسن راجعٌ اليه بالوجهين: أي بالخلق والاقتضاء. واما القبحُ والقصور، فبالخلق راجعٌ اليه، دون المقاضاة والسؤال. فله الحمدُ دائماً؛ اذ السؤال في الحسن والخير كالجواب منه ومن اسمائه. وله التسبيح دائماً؛ اذ سؤال الشر والقبح من الممكنات، والجواب المتضمن لمحاسن كثيرة مترتبةٌ على وجود

القبح منه سبحانه. ﴿ما أصابكَ من حَسَنة فمنَ الله وما أصابكَ من سَيئة فمن نفسك﴾(النساء:79).

اعلم! ان انواع المصنوعات في العالم لاسيّما انواع النباتات والحيوانات في سطح الارض كاللفائف المبسوطة المفروشة على وجه الأرض بعضٌ على بعضٍ، وكالأقمصة المنمنمة المتراكبة المتداخلة، لبستْها الأرضُ او العالمُ. لكن بعضَها أرقّ، وبعضها أقصر، وبعضها منفصل الانساج، وبعضها يتمزّق خريفاً ويتجدّد ربيعاً، وفيها كلها نسجٌ موزون بانسجام منظوم. فتعانقُ الأنواع وتعاونها بشوقٍ، وترافق الأفراد وتجاورها بحسنِ معاشرةٍ تشهد:

بان الكلَّ نسجُ نسّاج واحدٍ وخُدّام سيّد واحد. ونسجُ كل واحدٍ منها بنسجٍ مخصوصٍ بلا مزجٍ، وبأسداءٍ ممتازٍ بلا درجٍ، واِلحامٍ معيّن بلا التحام، في تلافيف تلك اللّفائف المشتبكة المختلطة بلا تشوش ولاخلطٍ ولاغلطٍ يشهد كعين اليقين: بأنها صنعةُ مَن لا نهاية لقدرته وحكمته.

وان ما يشاهَد من ترتّب أمثال التزيين القصدي على جميع المتخالفات يشهد:

بأن مَن زيّن قصرَ العالم بمزيّنات ألوان الأنواع هو الذي خلق لوازماته واساساته وأجزاءه. لعمرك ان التزيين في الصنعة من أهمّ المقاصد المهمّة المعرِّفة للصانع، ومن أشفِّ مرايا التودد والتعرُّف، ومن ألطف عنوانات التحبّب.

فان شئت فانظر مما لا يتناهى من الأمثلة الى هذه الواحدة وهي: الزّهرةُ الصّفراءُ الشمسية المتبرقعةُ ليلاً والمتبرّجة نهاراً، الشابةُ من أول الربيع الى آخر الخريف. صيّرها صانعُها مسكناً لطيفاً نظيفاً لبعض الحوينات اللطيفة تجول مسبّحاتٍ - جماعةٌ منها في واحدةٍ منها - كأنّها حديقةٌ لها أو قصر أو قرية.

فسبحان مَن ظهر في كل شئ لُطفُه.. ويعرِّف الخلائقَ قدرتَه، ويتعرّف متودّداً الى عباده بتزيينات مصنوعاته، جلّ جلالُه ولا اله الاّ هو. [9] ﴿قوله الحقُ وله الملكُ﴾(الانعام:73).. ﴿لا يُسئل عمّا يفعل﴾(الانبياء:23).

اعلم!(15) انه لايُسأل عما يفعلْ. فلا حقّ لشئ ولا لعلمٍ ولحكمةٍ اَن يَسأل عنه؛ اذ يتصرف في مُلكه كيف يشاء وهو عليم حكيم. يعلم ما لا نعلم. فعدم علمنا بحكمةِ شئ لا يدلّ على عدمها. اذ شهود الحكمة في الأكثر المطلق شاهدٌ على وجود حكمة مستورة عنا هنا أيضاً.

مثلاً: نتألّم من موت ذوي الحياة.. ولا نرى حسناً في قِصَر عُمر بعض الحيوانات اللطيفة.. ولانفهم وجه الرحمة في انقراض بعض المصنوعات الحيويّة الطالبة للحياة في أمثال الشتاء.. والحال ان هذا التألم والاعتراض المعنوي انّما ينشأ من جهلنا بحقيقة الحال، اِذ ما من ذي حياة الاّ وهو كَنَفرٍ موظفٍ وعبدٍ مأمورٍ بإيفاء وظائف تكاليف الحياة، الكاتبة تلك الوظائف تسبيحات وتحميداتٍ بحساب خالق الموت والحياة وبإسمه. وحقوق الحياة وغاياتها عائدة اليه سبحانه، يكفي لشهوده آنٌ، بل تكفي النيّةُ الحالية بالقوة، كما في نيّة النواتات والبذور. فما الموت الاّ ترخيص وتحرير واِذنٌ وترويجٌ ودعوةُ حضور، كما قال ﴿ثم الى ربهم يُحشرون﴾(الانعام:38) على ان من كمال رحمته ان لايُبقي ذوي الحياة في أرذل العمر، وأن لا يديمهم في شدائد العمر في الشرائط المزعجة، كترخيص عشاق الأزاهير وسفرائها والمتلذذين بالخضراوات وامرائها من الوظيفة التي صارت كُلفة بعد ما كانت لذة، فاستعملهم صانعُهم واستخدمهم سيّدُهم في مدة شوقهم مع موافقة شرائط الحياة وسهولة حمل تكاليف الحياة. فاذ تعبّس في وجوههم شرائط الحياة بامثال الشيب والشتاء واستيلاء سلطنتها بتحولات الشؤون وانطفاء شوقهم، أمدَّهُم رحمةُ الرحمن بالإذنوالترخيص. الى ان يُرسل امثالهم فينسجون على منوالهم فيسبّحون مولاهم.. يبتدؤن في أعمالهم من حيث انتهت أعمال أسلافهم..

فيا أيّها الغافل المتفرعن الزاعم انّك مالكٌ نفسك وحياتك والمتوهم ان سعادتك في بقاء حياتك بالراحة! أخطأتَ وخَلَطتَ وغلطتَ وعصيتَ وَقِسْتَ الحيوان الممنون المأمور والمتمِثل المسرور على نفسك الناسية لمالكها، فتراءت لكَ وَلْوَلَةُ جلوات الرحمة العامة في الشؤون (واويلاه) نعيات المأتم العمومي، فلا تتألم لهم حتى يكون (التألم) شفقة ممدوحة، بل (تألم) لنفسك المفروضة في موقعهم، الفانية بطريق القياس فيهم.

واما تسليط(16) بعض الحيوانات على بعضٍ فلحمل الضّعفاء على الحزم والتيقظ والجوالية والخفّة واستعمال جهازاتها اللطيفة واخراج استعداداتها من القوة الى الفعل وغير ذلك.

فوازن بين الأهلية والوحشية كَيْ ترى هذه الحكمة ظاهرةً باهرةً.

اعلم!(17) ان سرّ تخالف أحكام الأولياء في مشهوداتهم مع الاتفاق في الأصول.. وان سرّ اجمال الأنبياء السالفين وأبهام الأولياء العارفين في غير التوحيد من سائر أركان الايمان؛ اذ قد أجمل قسمٌ من اولئك في الجملة في تفاصيل الحشر وغيره وأبهم بعضٌ من هؤلاء في ما سوى معرفة الله، مع ان القرآن والمنزَل عليه القرآن فصّلا كلاًّ من المقاصد الايمانية بما لا مزيد عليه تفصيلاً قصدياً واضحاً، وان حكمتها.. هو: توسّط البرازخ.. وتفاوت القابليّات.. وتنوّع ألوان جلوات الاسماء في المظاهر الكلية والجزئية والظلية والأصلية.

 [10] مثلاً (ولله المثل الاعلى) ان الشمس لها تجلٍّ كلي بإذن خالقها على الأزاهير، ثم تجلٍّ أخص على نوعٍ نوعٍ منها، ثم تجلٍّ جزئيّ على زهرةٍ زهرةٍ، على قول من يقول ان ألوانها من استحالات ضياء الشمس.

وكذا لها تنويرٌ واِفاضة كلّية باذن مُبدعها على السيّارات والقمر، مع ان القمر يفيض ذلك النور الظلّي المُستفاد منها على البحار وحَباباتها وقطراتها، وعلى التراب وشفافاته. وعلى الهواء وذراته.

وكذا لها انعكاسٌ صافٍ كلّي بأمر فاطرها في مرايا جوّ الهواء ووجوه البحار. ثم لها انعكاسات جزئية وتماثيل صغيرة في الظاهر على حبابات وجه البحر، وقطرات الماء، ورشحات الهواء، وزُجَيجات الثلج.

فللشمس الى كلّ زهرة، وقطرة، ورشحة في الوجوه الثلاثة طريقان:

احدهما: بالاصالة وبلا برزخ، بلا حجاب.. الممثّل لمنهاج فيض النبوة.

والثانية: تتوسّط فيها البرازخ.. وتصبغ الجلوات بقابليات المرايا والمظاهر وهذه ممثل لمسلك الولاية.

فللزهرة، والقطرة، والرشحة ان تقول في الأول: أنَا مرآة شمس العالم، وفي الثاني: انما تقول أنَا مرآة شمسي أو شمس نوعي. مع ان شمس نفسها أو نوعها أو جنسها لاتسع (وهي في مضيقات البرازخ) كل لوازمات الشمس المطلقة من ربط السيارات بها وتسخين الأرض وتنويرها وتحريك حياة النباتات وغيرها، بل انما تسندها الى المقيد المشهود لها، من جهة ان المقيد عين المطلق، لكن هذا الحكم له، عقلي لا شهودي. بل قد يصادم شهودَه.

يارفيقي فلنفرض انفسنا إياها. فَصِرْ أنت ياذا النفس الكثيفة الترابية (زهرة) تضمن لونُها ضياءً محلّلاَ متضمناً للتمثال الممتزج للشمس. وليكن هذا الفيلسوف المنغمس في الاسباب (قطرة) تأخذ من القمر ظل ضوء الشمس. أنا قائلاً: (لا مؤثر في الكون الا الله)، شَبْنمة(18) فقيرة خالية من كل لَون، صيرتْ مثالَ عين الشمس انسان عينيها.

ثم ان جاذبة محبة مَن باحسانه تَنوَرنا وتَزيّنا، حَرّكَتْنا لطلبِ قُربه وقصدِ شُهوده. فسلكت (أيتها الزهرة) الى ان وصلت الى المرتبة الكلية لجنس الزهرة - المرآة الكثيفة التي تحلل فيها ألوان ضياء تمثال الشمس - فلا تخلص من التفرق والتشتت بين خصوصيات ألوان المقيدات، ولا تسلم من الفراق بتستر عين الشمس بحجب البرازخ والصور. الاّ ان ترفع رأسَك من الولوغ في محبة ذاتك، وتُصعِد نظَرك من الافتتان والتلذذ والتفاخر بمحاسن نفسك الى عين الشمس في وجه السماء. وتوّجه بباطن وجهك المتوجّه الى التراب بجلب الرزق المرسَل المسرِع اليك - واِن لم تتوجه اليه ولم تعلم به - الى هذه الشمس.. اذ أنت مرآتها كما انها قطرةٌ متلمعة من بحر السماء صارت مرآة للَمعةٍ من انور قدرة (النور الحق) سبحانه.. ومع ذلك لاتراها كما هي في نفسها بل متلونة بلون صفاتك ومرصادك ومقيدة بقيود قابلياتك.

وذهبت ايها (القطرة) الى ان ترقيت الى القمر بسلّم فلسفتك فرأيت القمَر كثيفاً مظلماً لا ضياء في جرمه، بل ولا حياة. فصار سعيُك وعملُك هباءً منثوراً. فلا تخلص من ظلمات اليأس ووحشة اليتم ودهشة الاضطراب بين ازعاجات الغيلان المتشاكسين الاّ بترك ليل الطبيعة والتوجه الى شمس الحقيقة واليقين بان الأنوار الليلية ظلالٌ للاضواء الشمسية ومع ذلك لا يصفو لك شهود الشمسوصفاؤها. وانما تتجلى لك خلف مألوفاتك ومعلوماتك بصبغٍ من لون قابلياتك.

فاذهبي انت ايتها (الرشحة) [11] الفقيرة الضعيفة بالتبخر راكبة على البخار الى الهواء ثم انقلبي ناراً ثم تحولي نوراً ثم اركبي على شعاع من أشعات جلوات الضياء.. فأين ما كنت من تلك المراتب لكِ منفذٌ صافٍ الى العين(19)، تراها بالعين اليقين - وان لم يكن بالعين(20) - وترى لزوم لوازماتها لها، ولا يأخذ على يدك في اثبات آثار سلطنتها الذاتية ضيقُ البرازخ، ولا قيدُ القابليات، ولا صُغر المرايا.

اذ تفطنت ان ما يشاهد في المظاهر جلواتُها لا هي هي أي ذاتها في ذاتها. فالواصلون من هذه الطرق الثلاثة متفاوتون في تفاصيل المزايا والشهود وان اتفقوا على الحق والتصديق.

اعلم!(21) ايها الانسان انك واحد قياسيّ بخمسة وجوه:

اذ أنت فهرستةٌ جامعة لغرائب آثار جلوات الاسماء الحسنى.

ومقياسٌ بجزئيات صفاتك وربوبيتك الموهومة لمعرفة صفاته المحيطة وفهمها بتصور حدود موهومة.

وميزان لدرجات نفي الشِركة في الآفاق، بحيث اذا أذعنتَ بانك كُلّكَ مُلكه آمنتَ بان لا شريك له في العالم واذا أعطيتَ ثلثك له وثلثك للاسباب وثلثك لنفسك حصل هذا التقسم في جميع الكائنات. واذا ملّكتَ أنانيتك درهماَ من مُلكه لزِمك ان تصدّق مالكيةَ كل فردٍ وكل سببٍ لدرهمٍ فتُقسم مالَ الله على ما سواه.

وكذا خريطة للعلوم الكونية والمعارف الآفاقية فاِذا إنفتحتْ (أنت)(22) لك انكشف لك الكون، واذا اُنسيتَ نفسَك انغلق عليك

المعارف الآفاقية، وانقلبت الى جهالات مركبات وسفسطيات ما لا يعنيات..

وكذا خزينة مفاتيح لمطلسمات الكنوز المخفية في الأسماء الالهية، فاذا رأيت فيك عجزاً بلا نهاية شَاهدتَ لخالقك قدرةً بلا غاية، واذا شاهدتَ فيك فقراً بلا غاية، رأيت لرازقك غناءً بلا نهاية.. وهكذا كأن جلوات اسمائه حروفٌ نورية مكتوبة في ظلمات حالاتك، فبدرجة ظهور شدة الظلمة تظهر نورانيةُ الكتابة.

فانت في الوجه الأول حاملٌ، وقابلٌ، ومظهرٌ، ليس لك منك شئ، بل انت قصيدةٌ منظومة للسان كن فيكون.

واما في الوجه الخامس فانت عامل، وفاعل، ومعكس - برابطة الضدية - وسائل بألسنة الاستعدادات والاحتياجات والافعال والاقوال، لك منك كل السيئات والقصورات والظلمات والفاقات، ولفاطرك منك كل الحسنات والكمالات والنورانيات والفيوضات. وكذا ان الأول يُظهر الأصل، والخامس يظهر مراتب الاسم المتجلّي. كما ان الحسن بلا ملاحظة القبح واحد، وبه تتفاضل مراتب الحسن ودرجاته.

﴿ان الله اشترى من المؤمنين أنفسَهم وأموالَهم بانّ لَهم الجنة﴾(التوبة:111)

اعلم!(23) أيها الانسان ﴿ماغرّك بربك الكريم﴾(الانفطار:6) الذي:

يشتري منك ملكَه الذي عندك امانةً ليحفظه لك من الضياع.. ولتترقى قيمتُه من درجةٍ الى ألوفٍ.. ويعطيك بَدَله ثمناً عظيماً.. ويبقيه [12] في يدك لاستفادتك.. ويتكفل عنك كلفة تعهّده.. ربحاً في ربح في ربح في ربح في ربح..

وانت أيها الغافل لا تبيعه.. فتخون في أمانته.. وتُسقط قيمته من الثريا الى الثّرى.. ثم يضيع بلا فائدة.. فيفوتك ذلك الثمن العظيم. وتبقى في ذمتك تكاليف تعهّده وآثامه ويثقل ظهرك كلفة محافظته وآلامه.. خسارة في خسارة في خسارة في خسارة في خسارة.

مَثَلُكَ في هذهِ المعاملةِ كَمثَلِ رجل مسكين في رأس جبلٍ، أصابت ذلك الجبلَ زلزلةٌ جعلت يتساقط منه في أعماق الأودية جميعُ أمثال ذلك الرجل فيتمزقُ ما في أيديهم، ويرى هذه الحالة وهو أيضاً (على شفا جرف هار) أوشك ان ينهار به في البوار. مع ان في يده امانةً وهي ماكينةٌ مرصّعة عجيبة، فيها موازين لا تعد وآلات لاتحد وفوائد لا تحصى وثمرات لا تُستَقْصى. فقال له مالك الماكينة كرماً ورحمةً: أريد ان أشتري منك مالي الذي في يدك كأنه مالُك - لئلا تنكسرَ ضايعاً بسقوطك - فأحافظها واُسلّمها لك حين خروجك من الوادي بصورة باقية لاتنكسر أبداً. ولأجل ان تتصرف في آلاتها وتستعمل موازينها في بساتيني الواسعة وخزائني المشحونة فتتزايد قيمتُها وتأخذَ أنواع أجوراتها وثمراتها، والاّ صارت كآلةٍ عاديةٍ ساقطةِ القيمة مستعملة في مضيقات بطنك وغارَيك. اِذ أين بطنُك وشهوتَك وأين البساتينُ والخزائنُ الالهية وكيف يَسعُ غاراك استعمالَ ماكينة تضيق عنها الدنيا. وها أنا أعطيك بدلها ثمناً عظيماً. ولا أخرجها من يدك في مدة بقائك في هذا الجبل، بل آخذ حلقتها العليا ليتخففَ عنك ثقلُها ولا تتعجز بكلفتها. فان قبلتَ البيعَ فتصرّف فيها باسمي وحسابي كنفرٍ يعمل في ما في يده باسم السلطان وحسابه بلا خوف مما يأتي ولا حزن على مامضى، وان لم تقبلْ هذا البيعَ الذي فيه ربحٌ بخمسةِ وجوهٍ خسرتَ بخمسةٍ وجوهٍ وصرتَ خائناً في الأمانة مسؤولاً عن ضياعها.

((خداء بر كرم خود ملك خود رامى خردازتو: بهاء بى كران داده نكه دار دبراء تو))

ودرسُ القرآن للبشر وتعليمه له: (البيع). يقول له: بِعْ تربَحْ.. ﴿انّ الدار الآخرة لهي الحيوان﴾(العنكبوت:64) واما درسُ فلسفةِ مدنيةِ الكفار يقول: تملّك ﴿اِنْ هي الا حياتنا الدنيا﴾(الانعام:29) فانظر التفاوتَ بين الهدى المنوّرِ والدّهاء المزوّر.

اعلم(24)....

[24] اعلم!(25) انه سبحانه قريبٌ، وانت بعيدٌ، اِذ كما انه معك، هو مع جميع أفراد نوعك، وكما انه مع نوعك، هو مع جميع أفراد جنسك، وكما انّه هو مع جنسك، هو مع جميع جزئيات ذوي الحياة، وكما انه مع جميع ذوي الحياة هو مع سائر طبقات الموجودات ودوائرها، طبقةً الى طبقة جميع الموجودات والى طبقة الذرّات والأثير والروحانيّات والمعنويات والى مالا يحيط به الوهمُ.

فأذا أردتَ القربَ من جهتك لابدّ ان تمرّ منك متبسطاً مترفّعاً من الجزئية الى مقام كليةِ النوع، ثم تذهب مترقّياً في الكلية باطلاق الرّوح في التجرّد الى مقام الجنس، وهكذا الى قطعِ قريبٍ من سبعين ألفِ حجاب؛ اذ اِنّه كما أنّه عندك فهو عند كلّ شئ. فانما تكون عنده - من عندك - اِن كنتَ عند كل شئ، ثم بعده يصادفك مالا يحد من مسافة ما بين الإمكان والوجوب.

كيف الوصول الى بعيدٍ في قربه ودونَهُ ألوف سرادقات؟ ودونهنَّ حتوفٌ، فاذ كان هذا هكذا فأفْنِ منْكَ بُعدِكَ لتبقى به وتَقرُب بقربه.

اعلم(26)....

[31]……

اعلم! ان الله أقرب اِلينا منّا، ونحن بعيدون بلا نهايةٍ ومن شواهد قربه تصرّفه، واذا طلبناه عندما يتصرّف فيه لانجده الاّ عند كلّ شئ، واذا وصلنا بالترقّي الى عند كلّ شئ بالاحاطة بدائرة الامكان، لا نجده أيضاً الاّ خَلفَ الحُجُب النورانية في دائرة الوجوب من سرادقات الاسماء والصفات والشؤونات في العزّة والعظمة والكبرياء، واما اذا طلبناه من جهة قربه بترك نفسنا، فالأمر سهلٌ ان شاء الله لا حول ولا قوة الا بالله.

اعلم(27)....

[36] اعلم!(28) يا مَن يحب ان يعرفَ الفرقَ بين حكمةِ القرآن وحكمةِ الفلسفة! ان مثلهما كمثل قرآن كتبت في حروفاته بتذهيبات متنوعة ونقوش مزينة بعضها بالذهب والفضة وبعضها بالألماس والزمرّد وبعضها بالجواهر والعقيق.. وهكذا. وقرأه شخصان فاستحسَناه فقالا: فلنكتبْ على محاسن هذا الشئ المزيّن كتاباً فكتب كل منهما كتاباً.

امّا أحدهما: فهو أجنبيّ لا يعرف من العربية حرفاً واحداً حتى لا يعرف انّ مشهوده كتاب، لكن له مهارة في الهندسة والتصوير ومعرفة الجواهر وخاصياتها فكتب كتاباً عظيماً يبحث عن نقوش الحروف ومناسباتها وجواهرها وخاصياتها ووضعياتها وتعريفاتها.

واما الآخر: فحينما رآه عرف انه كتاب مبين وقرآن حكيم فلم يشتغل بنقوش حروفه المزيّنة بل اشتغل بما هو أعلى وأغلى وألطف وأشرف وأزين وأحسن بملايين المراتب مما اشتغل به رفيقُه، وهو بيان جواهر معانيه وانوار أسراره فكتب تفسيراً يبحث عن حقائق الآيات.

يامَن له عقل! فبالله عليك لأيّ هذين الكتابين يقال انّه كتاب حكمة هذا القرآن؟ فاذ فهمتَ التمثيلَ فأنظرْ الى وجه الحقيقة: أما القرآن فهو هذا العالمُ واما الشخصان فكُتب الفلسفة والحكماء، والقرآن وتلامذته.

﴿ومَن يتوكّل على الله فهو حَسْبُه﴾(الطلاق:3)

اعلم!(29) يا أيها السعيدُ! انّ السعادةَ في التوكل، فتوكّلْ على الله لتستريحَ في الدنيا وتستفيد في الأخرى.

مَثَلُ المتوكل وغيرُ المتوكل الذي يرجع الى التوكل، كَمَثَلَ رجلين حاملين على ظهورهما ورؤسهما أحمالاً ثقيلةً، فدخلا سفينةً، فأما أحدُهما فوضع حِملَه في السفينة وقَعَدَ على متاعِه مستريحاً.

واما الآخر فَلِبلاهَتِهِ في غروره لم يضع حمله، فقيل له:

اطرحْ حِملك الثقيلَ على السفينة!

فقال: انا قويّ. فقيل له: ان السفينةَ التي حملتْكَ أقوى واحفظُ. مع ان ظهرَك ورأسَك - المتزايدَ ضعفهما - لا يُطيقانِ حملَ هذهِ الأحمالِ المتزايدِ ثقلها. فقيل له: بل سلامتُك أيضاً مربوطةٌ بوضعِ حملك. اِذا رآك صاحبُ السفينة في هذه الوضعيةِ فإما يقولَ: هو مجنونٌ فليُطردْ أو خائن يتّهمُ سفينتنا ويستهزئُ بنا، فليحبس. بل لا تخلص من السخرية واستهزاء الخلق، اذ لمّا لم تكفِ قوتُك لدوامِ الحمل اضطررتَ الى التصنّع المشير الى الرياء، والى التكبر المشير الى الضعف، والى الغرور المشير الى العجز، فتصيرُ اضحوكةً يضحكُ من حالك الناسُ. فتفطَنَ الى خطئه. فرجع من عناده فوضع حمْلَهُ فقعد عليه. فتنفّس فاستراح فقال: جزاك الله خيراً ارشدتني الى ما فيه راحتي وسلامتي وحيثيتي.

[50] النكتة الخامسة

اعلم! ان في ختم الآيات في الأغلب بفذلكات متضمنة للاسماء الحسنى، أو بعينها، أو متضمنة للأمر بالتفكر والحوالة على العقل، أو متضمنة لأمر كلي من المقاصد القرآنية، شرارات من نور حكمته العلوية ورشاشات من ماء هدايته الالهية؛ اذ القرآن الحكيم ببيانه الاعجازي، يبسط الآثار وافعال الصانع للنظر، ثم يستخرج منها الاسماء، أو ثبوت الحشر، أو التوحيد، كأمثال:

﴿خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى الى السماء فسويهن سبع سموات وهو بكل شيء عليم﴾ (البقرة:29)، ﴿ألم نجعل الأرض مهاداً والجبال أوتاداً وخلقناكم أزواجاً وجعلنا نومكم سباتاًوجعلنا الليل لباساً وجعلنا النهار معاشاً وبنينا فوقكم سبعاً شداداً وجعلنا سراجاً وهاجاً وانزلنا من المعصرات ماءً ثجاجاً لنخرج به حباً ونباتاً وجناتٍ ألفافاً ان يوم الفصل كان ميقاتاً﴾(النبأ:6-17).

وكذا ينشر للبشر منسوجات صنعه ثم يطويها في الاسماء، أو الحوالة على العقل كأمثال:

﴿قل من يرزقكم من السماء والأرض أمّن يملك السمع والابصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبّر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون فذلكم الله ربكم﴾ (يونس:31-32).

و﴿ان في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما انزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخّر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون﴾ (البقرة:164).

وكذا يفصل أفاعله ثم يُجملها باسمائه أو بصفته، كأمثال:

﴿وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب كما اتمّها على أبويك من قبل ابراهيم واسحق ان ربك عليم حكيم﴾ (يوسف:6).

﴿قل اللّهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعزّ من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير اِنك على كل شيء قدير﴾ (آل عمران:26) وكذا يرتب المخلوقات ويشففها باراءة نظامها وميزانها وثمراتها ثم يريك الاسماء المتجلية عليها كأن تلك المخلوقات ألفاظ وهذه الاسماء معانيها أو ماؤها أو نواتها أو خلاصتها، كأمثال:

﴿ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقةً فخلقنا العلقة مضغةً فخلقنا المضغة عظاماً فكسونا العظام لحماً ثم أنشأناه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ (المؤمنون:12-14).

﴿ان ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يُغشِي الليل النهار يطلبه حثيثاً والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين﴾ (الاعراف:54).

وكذا قد يذكر الجزئيات المادية المتكيفة المتغيرة ثم يجملها بالاسماء الكلية النورانية الثابتة وبفذلكة مشوقة على التفكّر والعبرة، كأمثال:

﴿وعلّم آدم الاسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال انبؤني بأسماء هؤلاء ان كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا الاّ ما علمتنا اِنك انت العليم الحكيم﴾ (البقرة:31-32).

﴿وان لكم في الانعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرثٍ ودم لبناً خالصاً سائغاً للشاربين ومن ثمرات النخيل والاعناب تتخذون منه سكراً ورزقاً حسناً اِن في ذلك لآية لقوم يعقلون وأوحى ربك الى النحل ان اتخذي من الجبال بيوتاً ومن الشجر ومما يعرشون ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبُلَ ربك ذللاً يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاءٌ للناس ان في ذلك لآية لقوم يتفكرون﴾ (النحل:66-69).

وكذا يفرش الكثرة المتوسعة ثم يضع عليها مظاهر الوحدة كجهة الوحدة ويلفّها بالقاعدة الكلية، كأمثال:

﴿وسع كُرْسِيّه السّموات والأرض ولا يؤُدهُ حِفظُهُمَا وهو العليُّ العظيم﴾ (البقرة:255).

﴿الله الذي خلق السّموات والأرض واَنزلَ من السّماء ماءً فأخرج به من الثّمرات رزقاً لكم وسخّر لكم الفلكَ لتجري في البحر بأمره وسخّر لكم الأنهَار وسخّر لكم الشمسَ والقَمرَ دائبين وسخّر لكم الليل والنهَار واتاكم من كل ما سألتموه وان تعدوا نعمتَ الله لا تحصوها ان الانسان لظلوم كفار﴾ (ابراهيم:32-34).

وكذا قد يظهر بعد السبب الظاهري عن قابلية ايجاد المسبب وثمراته، اذ أين السبب الجامد من تلك المسافة من قصد غايات عالية حكيمة، وللدلالة على ان الاسباب، وان قارنت واتصلت في النظر بالمسببات، لكن بينهما مسافة طويلة من تلك المسافة، تظهر مطالع

الاسماء، اذ لا طاقة لأعظم الاسباب على حمل أخف المسببات، كما ترى تماس دائرة الافق من الجبال بالسماء، مع ما بينهما من المسافة العظيمة التي تطلع فيها النجوم، كأمثال:

﴿فلينظر الانسان الى طعامه أنا صًببنا الماء صباً ثم شققنا الأرض شقاً فانبتنا فيها حباً وعنباً وقضباً وزيتوناً ونخلاً وحدائق غُلباً وفاكهة وأباً متاعاً لكم ولأنعامكم﴾ (عبس:24-32).

نعم! أشار بلفظ (متاعاً) وبذكر الثمرات العجيبة الصنعة والحكمة الى عزل الاسباب الظاهرية الجامدة عن التأثير الحقيقي.

وكذا:

﴿ألم تر ان الله يُزجي سحاباً ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاماً فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من بردٍ فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالابصار يقلب الله الليل والنهار ان في ذلك لعبرة لأولي الأبصار والله خلق كل دابةٍ من ماءٍ فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء ان الله على كل شئ قدير﴾(النور:43-45).

وكذا قد يعدّ عجائب أفعاله تعالى ليعدّ الذهن ويحضره لقبول خوارق أفعاله الأخروية أو يذكر أفعاله الاستقبالية الأخروية بصورة تشير الى نظائرها المشهودة لنا كأمثال:

﴿أوَ لم يَر الانسان انا خلقناه من نطفة فاذا هو خصيم مبين وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرّة وهو بكُلّ خَلقٍ عَليمٍ الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِنَ الشَّجَرِ الأخْضَرِ نَاراً فَاِذَاأنتُم مِنْه تُوقِدُون أوَ لَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمواتِ والاَرضَ بِقَادرٍ عَلى اَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بلى وهو الخلاّق العَليم﴾ (يس:77-81).

﴿اِذَا الشَّمْسُ كوّرت﴾ (التكوير:1)

﴿اِذَا السَّماءُ انْفَطَرَت... ﴾ (الانفطار:1)

﴿اِذَا السَّماءُ انْشَقَّت﴾ (الانشقاق:1)

[51] فانا نرى في الحشر الربيعي كثيراً من نظائر الحشر الأخروي مثلاً: ﴿واذا الصحف نشرت﴾ (التكوير:10) ترى نظيرها، بل نظائرها في نشر البذورات والنواتات صحائف أعمال أمهاتها وأصولها وتأريخ حياتها في الحشر الربيعي.

وكذا قد يذكر مقاصد جزئية ثم يقررها ويحققها باسماء هي كالقواعد الكلية كأمثال:

﴿قَدْ سَمِعَ الله قَولَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي اِلى الله وَالله يَسْمَعُ تَحَاوُركُما انّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (المجادلة:1).

﴿سُبحَانَ الَّذِي اَسْرى بِعَبْدِهِ لَيلاً مِنَ المسْجِدِ الحَرام اِلى المسْجِدِ الأقْصى الَّذي بَارَكْنَا حَولَهُ لِنُرِيَهُ مِن آياتِنَا اِنَّهُ هُو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ (الاسراء:1).

﴿اَلحَمدُلله فَاطِرِ السَّمواتِ وَالأرضِ جَاعِلِ الملئِكَة رُسُلاً اُولي أجْنحَة مَثْنى وثَلاث ورُبَاع يَزيدُ فِي الخَلقِ مَا يَشَاءُ اِنّ الله عَلى كُلّ شَئٍ قَدِير﴾ (فاطر:1).

وكذا قد يذكر أفعال الخلق فيهدّد ثم يسلّي بأسماء تشير الى الرحمة كأمثال:

﴿قُلْ لَو كَانَ مَعهُ آلهِةٌ كَمَا يَقُولُون اِذاً لاَبتَغُوا الى ذِي العَرشِ سَبِيلاً سُبحانه وتعالى عما يقولون علواً كبيراً تُسَبِّحُ لَهُ السَّمواتُ السَّبع والاَرض ومَن فيِهن واِن مِن شَئٍ اِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولكن لا تَفقَهُونَ تَسبِيحَهُم اِنهُ كَانَ حَلِيماً غفوراً﴾ (الاسراء:42-44).

اعلم(30)

[52]مبحث عظيم(31)

فان قلتَ ما وجهُ تفوقِ قيمةِ القرآن على الكل مع ان القرآن يقول: ﴿قُل لَو كَان البَحرُ مِداداً لِكَلمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحرُ قَبلَ اَن تَنفَدََ كَلِمَاتِ رَبِّي﴾ (الكهف:9).

قيل لك: ان القرآن كلامُ الله باعتبار انه ربُ العالمين.. وبعنوان اله العالمين.. وباسم ربِّ السموات والارضين.. ومن جهة الربوبية المطلقة. ومن جهة السلطنة العامة.. ومن جانب الرحمة الواسعة.. ومن حيثية حشمة عظمة الالوهية.. ومن محيط اسمه الأعظم الى مُحاط عرشه الأعظم.

واما سائرُ الكلمات الالهية:

فمنها ما هو باعتبار خاص، وبعنوان خاص، باسم جزئي، في تجلي جزئي، ومن جهة ربوبية خاصة وسلطنة مخصوصة، ورحمة خصوصية، كأكثر الالهامات. ومن هذا السرّ يقول الوليّ: (حدثني قلبي عن ربي) ولا يقول: (عن رب العالمين).

نعم. أين فيضك بمقدار قابليتك من تجلي ربك في مرآة قلبك أيّها الولي، ثم اين فيض النبيّ من تجلي رب العالمين بالاسم الاعظم في مرآة العرش الأعظم الأم لجميع العروش باعتبار الاسماء بجلواتها؟.. كما، اين فيضك من شمسك في مرآتك الصغيرة المكدّرة، ثم اين الفيض من شمس العالم في سقف السماء؟ و..كما أين خطابُ مَلكٍ لأحد رعيته بأمر جزئي لحاجة بتلفونه الخاص، ثم اين فرمان ذلك الملك

بعنوان السلطنة العظمى وباسم الخلافة الكبرى ومن حيثية حشمة مالكيته العليا وبقصد تشهير أوامره في أطراف مملكته بواسطة سفرائه وأمنائه؟.

فمن هذا السرّ العظيم يفهم سرُّ كون أكثر الوحي بواسطة المَلَك، والإلهام الالهي بدونه.. وسرُّ عدم بلوغ أعلى وليّ درجةَ أحد نبيّ من الأنبياء.. وسرُّ عظمة القرآن وعزة قدسيته وعلو اعجازه في غلو اِيجازه.. وسرُّ لزوم المعراج الى السماء الى سدرة المنتهى الى قاب قوسين، لمناجاة مَنْ هو أقرب اليه من حبل الوريد.. ثم الرجوع في طرفة عين. وغير ذلك من الأسرار..

ثم ان الكلام النفسي كالعلم والارادة صفةٌ أزلية بسيطة معلوم الوجود والثبوت، مجهول الكُنهِ والكيفية. وان الكلمات لا نهايةَ لها.

﴿سبحانك لا علم لنا الاّ ما علمتنا انك انت العليم الحكيم﴾(البقرة:32)

أيها الناطر! هذا المبحث العظيم من تتمات القطرة الرابعة من الرشحة الرابعة عشرة.

 

[53] بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين

بسم الله. اعلم(32) ان كل شئ يقول: بسم الله. اِِما بلسان قاله أو حاله أو استعداده؛ اذ ترى: انه ما من شئ من الأشياء، من الذرات الى الشموس الاّ وهو مع عجزه في ذاته قد تحمّل وظيفة عجيبة لا تكفي قوته لعُشر معشار عشير تلك الوظيفة. فبالبداهة يُعلم انه: انما تحمّلها بحول قويّ عزيز، وانما يباشرها باسم قدير حكيم.

وكذا هو مع جهله قد حمل على ظهره ورأسه غاياتٍ موزونة وثمرات منظومة، فيها نفع العموم، مع انه لا يعود منها الى نفسه عُشر معشار عشيرها، فبالبداهة يُعلم ان ذلك الشئ انما حُمّل تلك الغايات الحكيمة باسم عظيم حكيم، ويوصلها الى ذوي الحياة باسم رحمن رحيم وبحساب عليم كريم.

فان شئت فانظر الى النواتات والبذور وما تحمّلت من الاشجار والسنابل، والى الأشجار وثمراتها، والى الحيوانات والحوينات ووظائفها العجيبة. فمَن له أدنى شعور؛ كما يفهم ان نفراً منفرداً اذا ساق جميع اهل بلد الى محل بعيد بغير رضاهم ثم قسّمهم الى وظائف وخدمات مختلفة، انه ما يفعل الاّ بقوة سلطانه، وما يعمل الاّ باسمه، ومايستخدمهم الاّ بحسابه، كذلك لابد اَن يفهم ان هذه الموجودات العاجزات الجاهلات، ماتحمّل هذه الوظيفات العظيمات المنتظمات، الاّ باسم قدير عليم، وبحساب عزيز حكيم وانما تهدي الينا هذه الثمرات باسم رحمن رحيم، وليس من وظائفها وغاياتها الاّ ما أعطته الرحمة العامة لكل فرد من اللذة الخصوصية في خدمة الخاصة، كلذّة الترحم في شفقة الوالدات، وكحلاوة الفعالية في استعداد النحل بامتثال الوحي، وكذوق التلقيح في الفحول، وكالتلذذ في التغذي، وكالاستراحة والتنفس في الخروج من القوة الى الفعل - في نمو الاشياء - فان ما بالقوة كالمحبوس المقيد، وما خرج الى الفعل كالمتنفس المطلق وهكذا فقس.

فجعل الفاطر الحكيم والمالك الكريم هذه اللذات الجزئية معاشات لخدماتها.. وفهرستة لكيفيات وظائفها.. وزنبركاً لحركاتها.

فيا ايها الانسان الحامل للأمانة الكبرى!

كيف لا تطيع قانوناً أحاط بكل شئ من العرش الى الفرش! وكيف تتجاسر على العصيان في مقابلة دستور مسخّر الشمس والقمر، ومستخدم النجم والذرّ.

اعلم! ان الفرق بين طريق التوحيد وطريق الالحاد، كالفرق بين الجنة والجحيم، والواجب والمحال. فأن شئت فانظر الى الموازنة بين الطريقين:

أما التوحيد، فيسند الكثير الغير المحدود الى الواحد فيتخفف الكلفة والمصرف بدرجة تتساوى الشموس والذرات والقليل والكثير الغير المتناهي بالنسبة الى قدرته.

وكذا يظهر التوحيد في كل شئ غاياتٍ كثيرة مهمة من جهة نظره الى صانعه، ومن تلك الغايات اظهار الشئ لأسماء خالقه، كأن الشئ كلمة واحدة جامعة لرموز الأسماء، فتدل عليها.

وأما الغاية المشهورة بين أهل الغفلة التي هي جهة استفادتنا منه، من الأكل وغيره، فأقل واحصر، واذلّ واصغر من اَن تكون غاية تامة لخلقة الشئ، بل هي وسيلة احدى غاياته.

وأما الالحاد، فيسند الواحد الى الكثير الغير المحدود، أي يسند كل شئ الى العناصر والطبائع العاجزة الجامدة ، والى القوى والنواميس الصمّ العمي. فتتضاعف الكلفة بدرجة تساوي كلفة الفرد كلفة عام النوع، بل تساوي كلفة شئ واحد كلفة كل الأشياء.

وكذا لايرى الالحاد من غايات الشئ الاّ ما يعود الى الانسان في حظ نفسه الحيوانية أو الى نفس الشئ في حفظ حياته الدنيوية.

فمثل الموحد والملحد، كمثل رجلين رأيا نواة تمر، وأرادا تعريفها:

أما أحدهما، فقال: هي فهرستة واحدة مما لايحد من الفهرستات المسماة بالنواتات ومن بعض غايات هذه النواة، انها تعرفة معنوية لشجرة.. وتعريف لتاريخ حياتها.. وخريطة كينونتها بقابلياتها، لأن تكون ماكينة تنسج نخلة كأصلها.

واما الآخر، فقال: لا، بل هذه الشجرة بجميع أجزائها وأوراقها اجتمعت عند هذه النواة، فأوجدتها، وجمعت جهازات نخلة باسقة فجهّزتها، لكن بلا فائدة، فلا غاية لهذه الشجرة الاّ هذه النواة، ولا غاية لهذه النواة الاّ أكل الابل بعد السحق والدق.

فيا مَن له أدنى شعور - ولو كشعرة - هل يمكن مشاهدة هذه السهولة المطلقة في الجود المطلق في رخيصية مطلقة ومع شهود هذه الحكمة العامة في الانتظام المطلق، ان يستند خلق الشئ كهذه الرمانة مثلاً الى أسباب جامدة، لكن تجلب جهازات أكثر الأشياء لتصنيع ذلك الشئ الواحد الذي هو مثال مصغر لكل تلك الأشياء.. وان لا تكون لهذه الرمانة غاية الاّ أكلها في دقيقة للذة حيوانية.

نعم! كيف تساعد هذه الحكمة التي وظّفت رأس الانسان في حواسه، بوظائف عديدة، لو خصصت لكل وظيفة منها في رأس الانسان مقدار خردلة لصار رأس الانسان كجبل الطور.

انظر الى لسانك ووظائفه، ومن بعض وظائفه، وزنه لجميع مدخّرات خزائن الرحمة..

بل وكيف توافق تلك الحكمة لأن لا تكون لمثل هذه الرمانة الخارقة الصنعة غاية الاّ أكلك في آن في غفلة. فمحال ظاهر أن يثمر رأسك جبلاً من الاثمار، وان لا يثمر مثل الجبل الاّ ثمرة كرأسك. اِذ يلزم حينئذٍ جمع نهاية الحكمة مع نهاية العبثية، وهو من أمحل المحال وأبطل الباطل، بل تلك الرمانة، كأمثالها تضمنت قصيدة في بيان الأسماء الحسنى، فأفادت معانيها، فوفّت فتوفّت فدفنت من فيك فيك.

سبحان من تحيّرت العقول في صنعته.

[10] هذه نَورةُ من شجرة آية:

﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمواتُ السَّبْعُ والاَرضُ وَمَن فِيهِنَّ وَاِنْ مِنْ شَئ اِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾(الاسراء:44) رأيتها وقت انكشاف الأزهار من الاشجار في زمن الربيع فهيّجت جذبتي فتفكرت في تسبيحاتها فتكلمت أنا لي لا لغيري بهذه التسبيحات الفكرية فظهرت هكذا في بعضها رقص

الجذبة بنوع وزن يشبه الشعر وليس بشعر بل قافية ذكر في جذبة فكر.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي يسبّح له كلُّ شئٍ بكلماته المخصوصة المبصَّرة كالمسموعة، مثلاً:

الأنوارُ والانهارُ والأعصار كلماتُ الضياء والماء والهواء. فقس.

سبحان مَن يحمده:

الضياءُ بالأنوار.. والماء والهواء بالانهار والاعصار..

والترب والنبات بالاحجار والأزهار..

والجوّ والاشجار بالاطيار والاثمار..

والسحب والسماء بالامطار والأقمار..

تلألؤُ الضياءِ من تنويره، تشهيره..

تموُّج الهواءِ من تصريفه، توظيفه..

تفجُّرُ المياهِ من تسخيره، تدخيره.. مدحٌ بليغٌ بينٌ للقادر.

تزيُّن الاحجارِ من تدبيره، تصويره..

تبسم الأزهارِ من تزيينه، تحسينه..

تبّرج الأثمار من اِنعامه، اكرامه.. حمدٌ جميلٌ ظاهرٌ للفاطر.

تسجُّعِ الأطيارِ من إنطاقه، إرفاقه..

تهزُّجِ الامطارِ من تنزيله، تفضيله..

تحرّك الاقمارِ من تقديره، تدويره.. تسبيحةٌ فصيحةٌ للقادر، بل آية نيّرة للقاهر.

سبحان من تحمده:

السماءُ بالبروجِ والأنوارِ

والأفلاكُ بالشموس والنجوم والأقمار

والجو بالرعود والبروق والأمطار

والارضُ بالحيوان والنبات والاشجار

وتحمد الأشجارُ بالأوراق والأزهار.. منظومةً موزونة الثمار.

اِذ تسكتُ الأزهار من انشادها، فتنطق الأثمار بالبدار.. حمداً بليغاً ناشرَ الأنوار.

وتنشد النواةُ في قلبها، ذكراً خفياً جامعَ الأسرار.

مكتوبةٌ مطويةٌ في سرّها صحائفُ الاعمال للاشجار

فيُظهر لسانُها حبّات مدحِ الفالق والفاطر.

كل نباتٍ حامدٌ وعابدٌ مسبّحٌ وساجدٌ للقادر.

تبسُّم النبات في تنوير الأزهار.. تحمدةٌ ظاهرةٌ للناظر..

أفواهُها السنبلُ والاكمام، ألفاظُها البذور والحبوب في الأشفار.. منظومةً موزونة الاشعار..

لسانها نظامُها، ميزانُها في نقشها النوّار..

صنعتُها صبغتُها تزيينها البهّار..

بطعمها، بلونها، بريحها، واصفة حامدةٌ للفاطر..

اِذ تصف أوصافَه، تُعرِّفُ أسماءه، تفسّر تودّداً تعرّفاً للقادر.

اِذ تَرشَحُ الاسنانُ السنابلُ، وتقطر العيونُ الأزهارُ.. قطرات رشحاتِ جلواتِ الفاطر..

تودّداً لعَبده.. تعرّفاً لخلقه.. من غيبه في الظاهر

[11] حتى كأن الشجرَ المزهرّة..

قصيدة منظومة محرّرة..

أو فتحت بكثرة عيونها المبصّرة..

أو زَينت لعيدها أعضاءها المخضّرة..

ليشهد سلطانُها آثارَها المنوّرة..

وتُشهِرَ في المحضر مُرصّعات الجوهر..

لتُعرضَ للنظر.. كالعسكر المظفّر.

وتُعلن للبشر: حكمةَ خلق الشجر..

بكنزها المدَّخر من جود رب الثمر.

 

سبحانه ما أحسن احسانه! ما أزين برهانَه! ما أبيَنَ تبيانَه!

من بارئٍ مصوّرٍ.. من خالقٍ مقتدرٍ.. من فاطرٍ منوّرٍ.

 

فانظر الى رحمته.. في موسم ربيعه.. لتشهير صنعته:

يظهر لك فصلُ الربيع: يَوم عيد لعبده..

يَوم زينةٍ لخلقه.. من شجرٍ من نبته.

فنطهر كلُ نبات مقدار رتبته:

سلطنة سلطانه.. هدية مالكه.. منتظرٌ لأمره.. ويخدم باسمه.. مزهرٌ مثمرٌ بإذنه.. كسفرة نظيفة لضيفه.

فالنور والهواء والتراب مع الماء:

سُفراء أمره، حَمَلةُ عرشه..

في نشر صَنعته.. في تبليغ حِكَمه.

فالعلمُ والحكمة عرشُهما في: النور

فالفضلُ والرحمة عرشُهما على: الماء

فالحفظ والاحياء عرشُهما: التراب

فالأمر والارادة عرشهما في: الهواء

فاعلم بان كلها - في فعلها - مَظاهرٌ بإسمه، مَساطرٌ لا مصدرٌ، قوابلٌ لا فاعل، حواملٌ بحوله، تحمل ماتحمله بإذنه، بإسمه.. تفعل ما تفعله بطَوله، بحَوله.

لو لم يكن هذا حقُ الاشياء؛ يلزم للتراب والهواء، والنور مع الماء: ان تُدّخِر في كل جزء ذرةٍ، وقطرةٍ من كلها.. معرفة وقدرةً وصنعةً بلا انتهاء.

اذ مثلاً هذا الهواء؛ يمرّ في جوّ الفضاء.. يزور بذرّاته كل نبات ذي نماء.

فيظهر مروره خوارق بلا انتهاء.. في معجزات صنعة لمن له خلق السماء.

اِن أمكن لذرة بسيطة واحدة جامدة جاهلة؛ ان تنشئ هاتا الاشجار.. وتضع تاك الاثمار.. تصوّر هذه الأزهار، بل جملة هذي الأشياء.

وتقدر ان تحمل هذي الأرض، هذي الدنيا، حقّ لك ان تشك في وحدة لاشريك.

فاذ هذا ليس ذاك، فلا شك أن لا ملكَ الاّ لمن كلّ الخلق في قبضة قدرته.. في قبضة حكمته.

لأن كلّ حبّةٍ، وقطرة، وذرة تصلح لكل خضرة، ثمرة، وزهرة. فيلزم في ذرة واحدة وحبّة وقطرة، اِن لم تكن مأمورة بأمر رب السموات، من صنعةٍ وحكمة وقدرةٍ، تكفي لكل المصنوعات، لحمل هذي الموجودات.

سبحان من تحمده الاشجار؛ بالأوراق والأزهار والاثمار..

تَكَشُّفُ الأزهار في تزايد الأوراق، في تكامل الثمار..

في رقص بناتها على أيادي غصنها الخِضار.

تهزّها مراوح نسائم الاشجار..

نُطق فصيح واضح للناظر، في مدح من يُنشئها، يُنشِدُها للواحد القهّار.

أفواهُها، حروفها، ألفاظها.. الأوراق والازهار والثمار.

اذ تَرقُصُ الأوراق من فرحها في ذكرها للفاطر..

وتَبسُمُ الأزهارُ من زينتها تشكراً للقادر..

وتضحك الاثمار بالرحمة في النثار.. لسانها ذو نغماتٍ عشرة في الناظر..

نظامُها المتّزن، ميزانُها المنظّم في لونها المنَّور..

صنعتُها المنقشة، نقوشُها المصنّعة، في شكلها المصوّر.

صبغتها المزينة، زينتها المصبّغة، في طعمها المسرّر.

عجائبُ صنعتها، تكثّر انواعِها، تنوِّع لحومها - بكلها - حامدةٌ للفاطر.. واصفة للقادر..

اِذ تصف أوصافَه، تُعرّف اسماءه تفسّر تحبباً، تحنناً للصانع، للناظر.

اِذ ترشح الثمارُ من شفاهها قطراتٍ رشحاتٍ جلواتِ الفاطر..

تحبباً تعرّفاً لعبده.. تعهّدا ترحّماً لخلقه المفتقِر.

سبحانه ما أنور حجتَه! ما أبهر قدرتَه! ما أظهر رحمتَه! من منشئٍ مصوّرٍ ومُنشدٍ مدبّر.. ومنشر مبشّر.

سبحانه ما أجمل جلاله!

ما أجل جماله!

ما أكبر سلطانه!

(فانظر الى أرضك فقل: الله أكبر. وانظر الى الكائنات فقل: الله أكبر، هو الخّلاق الفعّال، هو الفتّاح العلاّم، هو الوهّاب الفيّاض، هو العزيز الحكيم، هو الكريم الرحيم).

 

[12] ان شئت ان تعرف معنى (الله أكبر) فانظر الى الكائنات فانها كلها ظلال أنواره.. آثار أفعاله.. خطوط قلم قضائه وقدره.. نقوش أسمائه.. مرايا أوصافه.

فاعلم فقل: الله أكبر.. انظر الى العوالم.. فانها كلها مأخوذة بالتمام في قبضة علمه، في قبضة قدرته، في قبضة عدله، في قبضة حكمته.. منظومةٌ وزنُه، موزونةٌ نظمهُ.

فالتنظيم بالنظام، والتوزين بالميزان: قبضتان للرحمن، عنوانان للبابيَن.. من الامام المبين، من الكتاب المبين.. فذلك الكتاب مع ذاك الامام.. عنوانان بيّنان.. العلم والقدرة للقادر العليم، للعادل الحكيم.. فلا شئ يخرج من نظمِ هذا النظام، من وزن هذا الميزان.. يشهده من له في رأسه الاذعان، في وجهه العينان.. فبالحدس الشهودي بل بالشهود الحسّي.. لاشئ من الاشياء في الكون والزمان، يخرج من قبضة تصرّف الرحمن.

فابصر فقل: الله أكبر.. هو العَدل الحاكم، هو الحكمُ الفرد، هو العادل الحكيم.. اذ هو الذي اسّس بنيان الكائنات، بمسطر المشيئة، بالحكمة النظّامة.. أصول حكمته رابطة الموجودات.. ففصّل الموجودات بدستور القضاء، بقانون القدر.. قوانين القدرة، خيّاطة الصور، لقامة المصنوعات.. فنظّم الكائنات بناموس السُنّة، بقانون العادات.. نواميس السنّة، قوانين العادة.. نظّامة المخلوقات.. (اذ يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد) في الأرض والسموات.. بتلطيف الرحمة، بتكريم العناية.. قد زين الكائنات.. نواميس الرحمة.. دساتير العناية.. حسّانة المصنوعات وزينة الموجودات.. فنوّر الكائنات.. بجلوة الاسماء تجلّي الصفات.. تظاهرات الاسماء.. في جَلوات الصفات.. نوّراة الموجودات.. في الارض والسموات.

فافهم وقل: الله أكبر. هو الفاطر العليم، هو الصانع الحكيم.. ذاك العالم الكبير، هذا العالم الصغير.. مصنوعا قدرته مكتوبا قدره.. ابداعه لذاك، صيّره مسجداً.. ايجاده لهذا صيّره عابداً، انشاؤه لذاك، صيّر ذاك مُلكاً.. بناؤه لهذا صيّره مملوكاً.. صنعته لذاك تظاهرت كتاباً، صبغتُه لهذا، تظاهرت خطاباً.. قدرته في ذاك، تظهر عزّته.. ورحمته في هذا تنظم نعمته.. سكّته في ذاك.. في الكل والاجزاء.. خاتمه في هذا في الجسم والاعضاء..

فانظر وقل: الله أكبر.. هو القادر المقيم.. هو البارئ العليم.. هو اللطيف الكريم.. هو الودود الرحيم.. هو الجميل العظيم.. هو نقاش العالم.. ان شئت ان تعرف هذا العالم ما هو كله اجزاؤه، الكائنات ماهي نوعاً وجزئياتٍ، فانما هو هي خطوط قضائه.. رسوم قدره.. في تنظيم الذرات.. في تعيين الغايات.. في تقدير الهيئات.

فبعد هذ الترسيم.. لتعيين الحدود.. لمقدار القدود.. تجئ قدرته لتشخيص الصور.. ببركار القدر.. في حكمة الأثر.. مراعاة المصالح بالقطع قد شهدت: ان النقوش فاضت، من قلم عليم، من تدبير حكيم.

فبعد هذا التشخيص تجئ العناية، لتزيين الصور، بيد بيضائه، بلطف انشائه.. تزيّن الصور بابدع مايمكن.. يشهد باليقين لصاحب العينين.. ان الزينة والحسن، من اثر لطفه.. آية كرمه.

فبعد هذا التزيين.. يجئ كرمه.. بالتلطيف والتحسين.. لابراز التودد.. في تزيين الحسان.. واظهار التعرف للجن والانسان.. فما تلك المحاسن وما هاتى اللطائف الاّ منها التودد.. الاّ منها التعرف.. تحبّب الفاطر.. يقطر للناظر.. من تحسين الأثر.. تعرّف القادر.. من تزيين الأثر.. يظهر للنظر.. بعد هذا التودد.

بعد هذا التودد تجئ رحمته، لإبراز الانعام.. في نشر سفرته لتلذيذ الأنام.. ترحّم الخالق.. يرشح من الأثر.. تحنن الرزاق.. يقطر من الثمر..

الحاصل:

هذا العالم.. خطوط قدره.. نقوش قلمه.. زينات كرمه.. أزاهير لطفه.. بالحدس والعيان.

اثمار رحمته.. لمعات جماله.. جلوات جلاله.. مرايا كماله.. بالحق والايمان.

مايُشْهَدُ من جمال.. مايُشهر من كمال.. مظاهر سيالة. مرايا جوالة [13] ظلال انواره.. ايات كماله. ويشهد لهذا: كمال آثاره..

فالأثر المكمّل.. يشهد لذي العقل. . على الفعل المكمل. . ثم الفعل المكمل يدل لذي الفهم على الاسم المكمل، والفاعل المكمل. والاسم المكمل يدل بالبداهة على الوصف المكمل، والوصف المكمل يدل بالضرورة على الشأن المكمل.. ثم الشأن المكمل، يدل باليقين على كمال الذات، مما يليق بالذات، وهو الحق المبين.. رفيع الدرجات.. خلاق العالم. يشهد لذي العين: ان الجمال الظاهر ليس ملك المظاهر.

نعم تفاني المرايا، زوال الموجودات.. مع التجلي الدائم.. مع الفيض الملازم.. من أوضح برهان.. من أفصح تبيان.. للجمال المجرد.. للاحسان المجدد، للواجب الوجود.. للباقي الودود.

فاعرف.. وقل: الله اكبر.. هو الخلاق الكبير، هو الفعال القدير.. فالاجسام السفلية، والزينات الأرضية، والاجرام العلوية والكواكب الدرّية.. في بستان الكائنات:

معجزات القدرة.. شواهد الحكمة.. براهين للواحد الأحد، والقادر الصمد.

سبحان من جعل حديقة أرضه: مشهر صنعته.. مزهّر النباتات.. مثمّر الشجرات.. مزيّن الحيوانات.. محسّن الطيورات.. خوارق صنعه.. شواهد علمه..دلائل لطفه.

تبسّم الأزهار.. من زينة الاثمار.. في هذه الجنان: تودّد الرحمن.. ترحّم الحنان.. تعرّف المنّان.. للجن والانسان، والروح والحيوان.

فالزهر والثمر.. والحب والبذر.. معجزات الحكمة.. هدايا الرحمة.. براهين الوحدة.. بشائر لطفه.. في دار الآخرة.. شواهد صادقة.. بان صانعها بكل شئ عليم.. لكل شئ قدير.. قد وسع كل شئ .. بالرحمة والعلم.. باللطف والتدبير.

فالشمس كالذرة.. والنجم كالزهرة.. والأرض كالبيضة.. لاتثقل عليه في الخلق والتدوير.. والحفظ والتصوير.. والصنع والتنوير.

فافهم .. وقل: الله أكبر.. هو سلطان الأزل.. هو حاكم الأبد.. هو الملك السرمد.

انظر الى وجه السماء.. كيف ترى سكوتاً في سكونةٍ.. حركة في حكمةٍ.. تلألؤاً في حشمة.. تبسّماً في زينة.. مع انتظام الخلقة.

تلألؤ نجومها.. تعلن لأهل النهى.. سلطنة بلا انتهاء.

فهذه النيّرات.. وهذه السيارات.. براهين منيرة.. شواهد مضيئة.. معلنة لعزة كبرياء الالوهية.. مظهرة لشوكة سلطنة الربوبية.. مبينة لحشمة عظمة قدرته.. مشيرة لوسعة احاطة حكمته.

آمن وقل: الله أكبر.. وله الكبرياء في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم..

سبحانك يامَن في كل شئ لك شاهدان على أنك واجب واحد.

سبحانك يامَن في كل حيّ لك آيتان على انك أحد صمد.

سبحانك يامَن سكته مضروبة على جباه الخلق.. بالصدق شاهدة بالحق ناطقة.

فانظر الى آثاره كيف ترى كالفلق.. سخاوة مطلقة في انتظام مطلق.. وقد ترى النظام في سهولة في اتزان مطلق.. في سرعة مطلقة في حسن صنع مطلق.. في وسعة مطلقة في اتقان مطلق.. في

رخيصة مطلقة مع غلوّ مطلق.. في خلطة مطلقة في امتياز مطلق.. في بعدةٍ مطلقة في اتفاق مطلق.. في كثرة مطلقة مع كمال مطلق.

فهذه الكيفية المشهودة شاهدة للعاقل المحقق.. مجبرة للأحمق المنافق.. على قبول الوحدة والصنعة للحق.. ذي القدرة المطلقة.. وهو العليم المطلق.

فتأمل وقل:

لا خالق الاّ هو ..

لا فاطر الاّ الحق

(تمت الجذبة الفكرية بهجزاتها)

 

[14] بسم الله الرحمن الرحيم

﴿الَمْ تَرَ ان الله يَسْجُد له مَن فِي السَّموات ومَن في الأرضِ والشَّمْسِ وَالقَمر والنُّجُوم والجبَالِ والشَّجَرِ والدَّوابِ وَكَثِيرٍ مِن النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيهِ العَذَابُ ومَن يَهِنِ الله فَما لَه مِن مُكْرِمٍ اِنّ الله يَفعَل مَا يَشَاءُ﴾(الحج:18)

اعلم!(33) ان القرآن الحكيم يصرّح: بان كل شئ من العرش الى الفرش، ومن النجوم الى الهوام، ومن الأملاك الى الأسماك، ومن السيّارات الى الذرّات يعبد الله ويسجد له ويحمده ويسبّح له اِلاّ ان عباداتها متنوعةٌ. فنشير الى وجهٍ من وجوه التنوع، بنوعِ تمثيل.

مثلاً: (ولله المثل الاعلى) اِن ملكاً عظيماً اذا بنى مدينة جسيمةً وبنى قصراً محتشماً، فذلك الملك يستعمل فيهما أربعة أنواعٍ من العَمَلة:

الأول: مماليكُه: فليس لهم معاش ولا أجرة. بل لهم ذوقٌ وشوقٌ في كل ما يعملون بأمره، ويقولون في مدحه، ويكتفون بشرف انتسابهم له، ولذة نظرهم بحسابه.

والثاني: خَدَمة عاميون يستعملهم الملك بعلمه بأجرةٍ جزئية تليق بهم. ولا يعرفون ما يترتّب على عملهم من الغايات العالية الكلية. حتى قد يتوهم البعضُ أنْ ليس لعمله غايةٌ الاّ ما يعود الى نفسه من الأجرة والمعاش.

والثالث: حيواناتٌ له يستخدمها، فليس لها الاّ العَلَف، والتلذّذ بالعمل فيما تستعدّ له، اذ في خروج الاستعداد من (القوّة) الى (الفعل) لذة عامة.

والرابع: عَمَلة عالمون بما ولِمَا يعملون وتعمل سائر العَمَلة، وعارفون بمقاصد الملك. فلهم رياسةٌ ونظارةٌ على سائر الخَدَمة، ولهم معاشٌ متفاوتٌ على درجات رُتَبهم.

كذلك اِن مالك السموات والأرض وبانيها، استخدم واستعبَد الملائكة، ثم الحيوانات، ثم الجمادات والنباتات، ثم الأناسي، لا للحاجة؛ اذ هو خالقُهم ومايعملون، بل للعزّة والعظمة وشؤونات الربوبية وغير ذلك.

فاما الملائكة فليس لهم ترقيات بالمجاهدة. بل لكلٍ منهم (مقام معلوم) لكن له ذوقٌ مخصوص في نفس عملهم وفيوضاتٍ بنسبة درجاتهم في نفس عباداتهم. فمكافآت خَدَماتهم مندرجةٌ في عين خدماتهم. فكما يتغذى الانسانُ بالماء والهواء والضياء والغذاء ويتلذذ بها، كذلك االملائكة يتغذَّونَ ويتنعّمون ويتلذذون بأنوار الذكر والتسبيح والحمد والعبادة والمعرفة والمحبة، لأنهم من النور فيكفي لغذائهم النور والنورانيّ، كالروائح الطيّبة، ولهم سعادة عظيمة في فعلهم بأمر معبودهم، وفي عملهم بحسابه، وخدمتهم باسمه، ونظارتهم بنظره، وتشرّفهم بانتسابه، وتنزهّهم بمطالعة مُلكه وملكوته، وتنعّمهم بمشاهدة تجليات جماله وجلاله.

واما الحيوانات فلوجود النفس المشتهية فيها مع اختيارٍ جزئي ليست أعمالها خالصةً بحسابه وحَسْبةً محضةً لوجهه، فلهذا يعطيها مالِكُها الكريم معاشاً في ضمن عملها لأجله.

مثلاً: اِن العندليب المشهور بالعشق للورد يستخدمه فاطرُه الحكيم لإعلان المناسبة الشديدة بين طوائف النبات وقبائل الحيوان. فالعندليب خطيبٌ رباني من طرف الحيوانات - التي هي ضيوف الرحمن - وموظّفٌ لإعلان السرور بهدايا رازقها. ولاظهاره حُسن الاستقبال للنباتات المرسلة لإمداد أبناء جنسه، ولبيان احتياج نوعه البالغ ذلك الاحتياج الى درجة العشق، على رؤوس جميلات النباتات، ولتقديم ألطف شكرٍ في ألطف شوقٍ في ألطف وجهٍ لجنابِ مالكِ الملك ذي الجلال والجمال والاكرام.. فهذه غايةُ عمله بحسابه سبحانه، فهو يتكلم بلسانه فنفهم هذه المعاني منه، واِن لم يَعرف هو معنى نغماته بتمامها. وعدمُ معرفة البلبل بهذه الغايات بتفصيلها لا يستلزم عدمَها، لا أقل يكون كالساعة تُعلّمكَ الأوقات وهي لاتعلم ماتعمل. وأما معاشُه الجزئي فذوقه بمشاهدة الأزهار المتبسّمة وتلذّذه محاورتها. فليست نغماته الحزينة تألّمات شكايات حيوانية، كلاّ بل هي (تشكرات عطايا رحمانية) وقس عليه النحل والفحل والعنكبوت والنمل وبلابل الهوام وغيرها. فلكلٍ منها معاشٌ جزئي في ذوق خصوصيّ في ضمن

خدمتها لغاياتٍ كليةٍ ولصنعةٍ ربّانية كالنفر المستخدم في سفينة سلطانية.

فالحيوانات بامتثالها للأوامر التكوينية بكمال الاطاعة واظهارها لغايات فطرتها بأحسن وجه بإسمه، وتظاهرات حياتها بوظائف [15] بابدع طرز بحوله، وهكذا من سائر تسبيحاتها تقدم هدايا عباداتها ومزايا تحياتها لجناب فاطرها.

فالتحيات تظاهرات الحياة بلطائف آثارها المطلوبة لواهب الحياة.

واما النباتات والجمادات فلأجل ان لا إختيار لها، لا معاشَ لها، فأعمالُها خالصةٌ لوجه الله، وحاصلةٌ بمحض إرادة الله وباسمه وبحسابه وبحوله. الاّ انه يتظاهر من حال النباتات أن لها تلذّذات بوظائفها ولا تألماتَ لها، خلافاً للحيوان المختار. فله الألم كاللذّة. ولأجل عدم تداخل الاختيار في أعمال الجماد والنبات تكون آثارها أكمل من اعمالِ ذوي الاِختيار، ثم عمل ذي الاختيار المنوّر بالوحي والالهام كالنحل وامثاله أجملَ من غيره المعتمد على اختياره.

واما الانسان فهو كالمَلَك في كلية العبادة وشمول النظارة واِحاطة المعرفة ودلاّلية الربوبية، بل أجمع منه. الاّ ان له نفساً شريرة مشتهية، فله ترقيات وتدنيات.

وكالحيوان في ادخاله في عمله حظاً لنفسه وحصةً لذاته، فله معاشان معجّل جزئي حيواني، والآخر مؤجل كلي مَلَكي. فتأمل تَنَلْ.

ولقد ذكرنا في دروس رسالة النور كثيراً من اسرار عبودية الانسان ووظيفته وقسماً من عبادة النبات والجماد وتسبيحاتهما فلا حاجة الى التطويل هنا فان شئت فراجع تلك الدّروس لترى سرّ سورة (والتين والزيتون) وسورة (والعصر).

 

(تتمة لمبحث العندليب)

ولاتحسبن ان هذه الوظيفة الربّانية في الاعلان والدلاّلية والتغني لذوي الأسماع بهزجات التسبيحات مخصوصةٌ بالعندليب. بل كل نوعٍ له عندليبٌ يُمَثّل ألطفَ حسيّات ذلك النوع بألطف تسبيح في ألطف تسجيعِ. لاسيما في انواع الهوام والحشرات.

فمنها ما له عندليب وبلابل كثيرة، تنشد على رؤوس كثير من انواع الهوام والحشرات الصغيرة المختلفة سجعاتِ تسبيحاتٍ يلتذّ باستماعها جميعُ مَن له سمعٌ.

فمنها ليلية ذات سرود(34) في مسامرةٍ لصغار الحُوَينات من نوعها وغير جنسها في سكوت الليل وسكونه حتى كأنها قُطبُ حلقةِ ذكرٍ خفيٍ. لأن الغناء كاللسان المشترك العمومي يفهمه كل من له سمع وحسّ.

ومنها نهارية ذات تسبيحات بتسجيعات وهزجات لطيفة رفيعة تنشدها في فصل الصيف على منابر الاشجار على رؤوس جميع ذوي الحياة وهي تفوق البلبل المشهور بمراتب حتى كأنها رئيس حلقةِ ذكرٍ جهري تهيّج جذبات المستمعين وتُنطقهم كلٌّ بلسانه.

وأفضل جميع الأنواع واشرف عندليبها وأنورها وأبهرها واعظمها واكرمها واعلاها صوتاً واجلاها نعتاً واتمّها ذكراً وأعمّها شكراً، عندليبُ نوعِ البشر في بُستان الكائنات، حتى صار بلطيفات سجعاته بلبلَ جميع الموجودات في الأرض والسموات.

عليه وعلى آله واَمثاله أفضل الصلوات واجمل التسليمات. آمين.

اعلم!(35) انه يُفهم من كمال ذكاوة الحيوان وقتَ خروجه الى الدنيا ومهارته في العلم العملي المتعلق بحياته، ان ارساله الى الدنيا للتعمّل لا للتكمل بالتعلّم.

ويُفهم من كمال جهالة الانسان وعجزه وقت اخراجه الى الدنيا واحتياجه الى التعلّم في كل مطالبه وفي جميع عمره اَن اِرساله الى الدنيا للتكمّل بالتعلّم والتعبّد لا للتعمّل. وما عمله المطلوب؛ الاّ تنظيم أعمال ما سخّره الله له من النباتات والحيوانات والاستفادة من نواميس الرحمة.. والاّ الدعاءُ والالتجاء والسؤال والتضرع والتعبّد لمن سخّر له مع نهاية ضعفه وعجزه وغاية فقره واحتياجه هذه الموجودات. وما علمُه المقبول الاّ معرفةُ مَن كرّمه وسخّر له وجهّزه للعبادة والسعادة بتعلّمِ حكمةِ الكائنات بوجهٍ يُنتج معرفةَ خالقها باسمائه، وصفاته وجلاله وجماله وكماله. وغيرُ هذا الوجه اِما مالا يعنينات أو ضلالات.

اللهم اجعلنا لك عبيداً في كل مقام قائمين بعبوديتك متضّرعين لألوهيتك مشغولين بمعرفتك.

اعلم! ان الخالق الحكيم، لإمتناع العجز عليه، ولكمال جُوده، يخلق الذرة كما يخلق الشمس، ويعطي لها الوجود مثلها.

فكما يخلق الذرة مع الشمس كذلك يخلق أصغر النبات كأكبر الشجر. وكما يخلق المَلَك المسخّر على الشمس مع المَلَك المسخّر على القطرة، كذلك يخلق أصغر الحوينات كأكبر الحيوان، فيستعبده مثلَه، ويوجد الفردَ الواحد بأحسن وجه، كما يوجد مجموع الأفراد الغير المحدودة.

ولكل من الموجودات صغيراً وكبيراً قليلاً وكثيراً وظيفة لائقة.. وحكمة مناسبة وغاية حسنة.. من خزينة رحمة مَن: ﴿اِنَّمَا أَمْرُهُ اِذا أرادَ شَيْئاً اَن يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُل شَئٍ وَاِليهِ تُرجَعُون﴾(يس:82-83).

[16] اعلم!(36) أيها المسلم ان لك في تطبيق عملك العرفي ومعاملتك العادية على الأصول الشرعية.. خزينةً أخروية واِكسيراً كبيراً. يصير به كلُّ عمرك عملاً، وكلُّ عاداتك المباحة عبادةً، وغفلتُك بمشاغلك حضوراً.

مثلاً: اذا بعتَ أو اشتريت شيئاً وعملت بما يقوله الشرع في تلك المعاملة فتخطرتَ حُكمه في الايجاب والقبول، صار لك نوع حضورٍ وعبادةً واطاعة وعملاً أخروياً، فقِس واغتنم.

طوبى لمن نوّر حركاته بالآداب الشرعية. فيا سعادة مَن وفّقه الله لإتباع السنّة في أعماله ومعاملاته حتى أورث عمره الفاني أثماراً باقية.. وياخسارة مَن خَذَله الله باتباعِ الهوى فاتخذ الهه هواه حتى صار عمُره هواءً وعمله هباءً.

اللهم وفّقنا لمرضاتك والعمل بكتابك وسنة نبيّك. آمين.

اعلم!(37) انه كما ان من الانسان مَن هم رُعاة، ولهم نظارةٌ على تنظيم حركات قسمٍ من الحيوانات، ونوع محافظةٍ له.

وكذا منهم زرّاع لهم نظارة على تنظيم زرعِ قسمٍ من الحبوبات، ونوع ترتيب له.

كذلك اِن من الملائكة مَن هو راعٍ بنوع من الحيوان في مرعى وجه الأرض. لكن ليس كالأنسان بل نظارتُه وَرَعْيُه بمحض حساب الله وباسمه وبحوله وبأمره، بل نظارتُه هي:

مشاهدتُه لتجليات الربوبية في ذلك النوع.. ومطالعته لجلوات القدرة والرحمة فيه.. وإلهام الأوامر الالهية لها لأفعال ذلك النوع الاختيارية.

ومنهم من له نظارة على نشر نوع من النباتات في مزرعة الأرض باذن الله وبأمره وبإسمه وبحوله. بل نظارتُه لها:

تمثيلُ تسبيحاتها وتحيّاتِها لفاطرها، واعلانها، مع نوع تنظيم وحماية بحسنِ استعمال الجهازات الموهوبة لها.

فهذه الخدمة، بنوع كسب، بدون تصرّف حقيقي (اذ في كل شئ سكّةٌ خاصّةٌ بخالق كل الاشياء ليس لغيره فيها مجال) عبوديةٌ وعباداتٌ لهم، لا عادات كالانسان. فحضرةُ ميكائىل عليه السلام الذي هو من حَمَلة عرش الرزاقية له عبوديةٌ بنظارةٍ على جنس النباتات في مزرعة الأرض، وتحتَه نظّار على نوعٍ نوعٍ بقوة الله وبحَوله وبأمره وبإسمه، وهكذا نُظّار الحيوانات.

فان شئتَ درك هذا المعنى فانظر الى الأرض كيف صيّرها الفاطر الحكيم مزرعةً واسعة ومرعىً عظيماً للنباتات والحيوانات.. ثم انظر الى انواع النباتات المنشورة بانتظام عجيب في توزيع بذوراتها في الأطراف بتقسيم غريب بحكمة فاطرها القدير العليم.. والى انواع الحيوانات المنشورة بطرز غريب بتقسيم عجيب وهي تسرح في مرعى الأرض في حسن انتظامٍ بعناية خالقها الحكيم الكريم جل جلاله وعمّ نواله ولا اله الا هو.

* * *

بسم الله الرحمن الرحيم

يا الله يا رحمن يا رحيم يا فرد يا حيّ يا قيوم يا حكم يا عدل يا قدوس بحرمة الاسم الاعظم اسكن طلبة النور الذين قاموا بطبع هذا المثنوي النوري في فردوس جنتك وأسعدهم فيها ووفقهم دائماً في خدمة الايمان والقرآن، واكتب اللهم في سجل حسنات كلٍ منهم حسناتٍ كثيرة مقابل كل حرف من حروف هذه المجموعة.

آمين. آمين. آمين برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

 

سعيد النورسي

 

_________________________

(1) تفصيل هذا البحث في الكلمة الثانية والعشرين، لاسيما اللمعة السادسة والثامنة منها.

(2) توضيح هذا البحث في الكلمة الثانية والعشرين وبخاصة اللمعة الرابعة والثامنة، وكذا رسالة (الطبيعة).

(3) النشوء: النماء.

(4) الأيس: الوجود. والليس: العدم الصرف.

(5) الكلمة الثالثة والعشرون توضح هذا المبحث.

(6) الكلمة الثامنة توضح هذا المبحث بتمثيل لطيف.

(7) اي الاحترام والتقدير.

(8) الكلمة الثالثة والعشرون توضح هذا المبحث بتفصيل.

(9) راجع ان شئت توضيحاً لهذا المبحث الكلمة الرابعة والعشرين -الغصن الثالث.

(10) المسألة الثالثة من رسالة الثمرة - الشعاع الحادى عشر - توضح هذا المبحث.

(11) كلمة يونانية يقصد بها: النصرانية.

(12) ان شئت التفصيل راجع الكلمة الرابعة عشرة.

(13) المسألة الثامنة من رسالة الثمرة فيها بيان قيّم لهذا المبحث.

(14) رسالة القدر (الكلمة السادسة والعشرون) فيها شرح وافٍ.

(15) الكلمة السابعة عشرة توضح مسألة وجه الرحمة في الموت والانقراض الذي يعترى الموجودات.

(16) النقطة الثانية من الكلمة الثامنة عشرة تشرح الحكمة في هذا.

(17) راجع ان شئت بالتفصيل الكلمة الرابعة والعشرين - الغصن الثاني.

(18) ندى.

(19) المقصود: الشمس.

(20) أي بالبصر.

(21) توضيح هذا المبحث في اللمعة الثلاثين (اسم الله القيوم) والنافذة الحادية والثلاثين من الكلمة الثالثة والثلاثين.

(22) أي انانينك انت

(23) الكلمة السادسة شرح هذا المبحث بمثال جميل.

(24) المباحث الموجودة هنا ابتداء من ص [12] الى ص [16] ومن ص [17] الى ص [24] من المخطوط منشورة في رسائل متفرقة من المثنوي العربي النوري.

(25) هذه المسألة الدقيقة تتناولها الكلمة الرابعة عشرة بتفصيل وتوضيح.

(26) هذا المبحث من هذه الصفحة [24] منشور في المثنوي العربي النوري.

(27) المباحث الموجودة ضمن صفحات المخطوط [31 - 35] منشورة في المثنوي العربي النوري.

(28) راجع ان شئت الكلمة الثانية عشرة (الاساس الأول والثاني والثالث).

(29) الكلمة الثالثة والعشرون فيها توضيح وافٍ.

(30) هذه المباحث الموجودة في ص[36-50] وكذا [51 وقسم من 52] من المخطوط منشورة في المثنوي العربي النوري.

(31) الاساس الرابع من الكلمة الثانية عشرة وكذلك الكلمة الخامسة والعشرون (المعجزات القرآنية) تفصّلان هذا المبحث، وانظر ان شئت أيضاً رسالة (المعراج النبوي).

(32) الكلمة الاولى توضح هذه المسألة.

(33) هذا المبحث القيم خلاصة جيدة للغصن الرابع من الكلمة الرابعة والعشرين.

(34) سرد سرداً الحديث أو القراءة: أجاد في سياقها.

(35) الكلمة الثالثة والعشرون توضح هذه المسألة

(36) النكتة الاولى من اللمعة الحادية عشرة تفصّل هذه المسألة.

(37) تراجع الكلمة الرابعة والعشرون - الغصن الرابع.