إعجاز القرآن في رسائل النور

By:

Jun 20, 2014

 

أ.د. محسن عبد الحميد   

جامعة بغداد - العراق   

 

لا شك أن دراسات كثيرة في إعجاز القرآن قد سبقت النورسي ابتداء من الجاحظ، مرورا بابن قتيبة والرماني والواسطي والخطابي والباقلاني، ثم وصلت هذه الجهود المثمرة إلى نحوي كبير صاحب ذوق رفيع في فهم الأدب عامة والإعجاز القرآني خاصة، فصاغ منها نظرية إعجازية متكاملة، سميت بنظرية النظم في كتابيه النفيسين "أسرار البلاغة" و "دلائل الإعجاز".

هذا النحوي الكبير هو الإمام عبد القاهر الجرجاني، الذي شرح وجهة نظره شرحا وافيا مترابطا وصاغ منها نظرية متكاملة تقوم على أساس عدم الفصل بين اللفظ ومعناه، وبين الشكل والمضمون، وقرر أن إعجاز القرآن في نظمه، لا في الكلمة المفردة بمعناه القاموسي، ولا في مجرد المعاني دون تصوير الألفاظ لها تصويرا مناسبا.وبناء على ذلك فقد عرّف النظم بأنه تعليق الكلم بعضه على بعض وجعل بعضه بسبب من بعض، أي تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه عـلم النحو، وتعمل على قوانينـه وأصوله وتعرف مناهجه ولا تزيغ عنها (1).

ولا أشك أن الأستاذ النورسي قد أطلع على ذلك التراث كله في الكتب البلاغية التي درسها، والتفاسير التي مرّ بها ولا سيما نظرية النظم. فقد بدأ بتأليف تفسير في بدايات حياته أراد أن يطبق تلك النظرية تفصيليا شاملا على آيات القرآن الكريم، من حيث المباني المترابطة مع المعاني، سواء في المعارف اللغوية أم العقلية أم الذوقية، الكلية منها والجزئية. والتي اعتمد عليها في الكشف عن أسرار المنظومة القرآنية التي بها يظهر الإعجاز، وتتكشف دقائق خصائص الأسلوب القرآني.

والحقيقة التي نتلمسها في دراسات النورسي الكثيرة عن إعجاز القرآن في رسائل النور، أنه لم يقيد نفسه بالنظم في ضوء كلام الجرجاني عنه، وإنما وضعه في دائرة أوسع تتلاءم وتتناغم مع القراءات الثلاث لتجليات الأسماء الحسنى في القرآن الكريم "نصا وكونا ورسولا" فاظهر النورسي بناء على ذلك أن إعجاز القرآن بحر لا ساحل له، بحيث إن كل أحد من الناس وإن كل أحد صاحب اختصاص من العلماء والأدباء والمفكرين، يأخذ حظه من ذلك الإعجاز، وهذا هو الذي تحقق اليوم.

وقد دخل بعبقريته الفذة وأسلوبه الرشيق وذوقه الجمالي في ذلك البحر العميق الواسع بحيث جعل منه بتكامليته وتوازنه وشموليته، مدار صراع فكري، أودعه ليس فيما كتب من بحوث مباشرة محدودة عن إعجاز القرآن، بل جعل منه نسيجا باطنا وظاهراً لرسائله النورية المائة والثلاثين.

فإن قلت إن رسائل النور كلها هي رسائل في إثبات إعجاز القرآن بجميع وجوهه ما بالغت في ذلك، بل قد أصبت الحقيقة.

لقد أهتم النورسي في دراساته الشاملة هذه بمستوى الأداء اللفظي ومستوى الأداء التركيبي، ومستوى الأداء المعنوي، فربط بينها ربطا محكما كأنه يقدم أرقى "سيمفونية" تضرب على أوتار القلوب وتفتح مغاليق عقول أشد المعاندين المنكرين بأحقية إعجاز هذا الكتاب الكريم.

وأحاول في الفقرات الآتية أن ألخص بعض ما كتبه النورسي عن وجوه إعجاز القرآن.

ـ إيصال نظرية النظم من تحليل الجملة المفردة إلى المترابطة في الموضوع الواحد والسورة الواحدة والقرآن كله، بدءاً باللفظة مع اللفظة والآية مع الآية والسورة مع السورة، محاولا التغلغل في معاني الآيات ومبانيها. حيث أراد بناءها تفصيلا على تجليات الأسماء الحسنى في عالم العقيدة والدعوة والسلوك والصراع الفكري والحضاري.

ـ أسلوب القرآن يتفوق على الأساليب كلها عند الموازنة، لأنه يخاطب الكينونة الإنسانية، عقلا وعاطفة نفسا وروحا. وهذه المخاطبة الشاملة الموحدة، التي قُدِّمت في إطار صياغة بيانية رفيعة، تفيد العقل تغلغلا في الكون وإدراكا لنظامه الدقيق، والقلب في إحداث تأثير ذلك التغلغل في السلوك، والنفس في تطهيرها من آفاتها الكثيرة، والروح حيث تنتعش بتذوق جمال التعبير في النص والإنتشاء بعنصر الجمال في الوجود.

ـ وفي حدود المعالجات الجزئية في بيان مستويات التعبير يؤكد النورسي كثيرا على النغم الذي يجمع بين الألفاظ الخفيفة والثقيلة، والمهموسة والمجهورة في آية واحدة، فلا تحس بها وأنت تقرأها، وكأن ألفاظ الآية تسير حسب سياق واحد في الجرس والنغمة(2).

ـ يعد النورسي التكرار في القرآن الكريم ذكرا ودعاء ودعوة، فالذكر يُكرر والدعاء يردد والدعوة تؤكد. ثم إن التكرار يناسب الحاجات النفسية خاصة والبشرية عامة، بجانب ذلك يؤدي التكرار مهمة تربوية. على أن الحقائق الكبيرة والمسائل الدقيقة والغايات العظيمة تتطلب التكرار، حتى تستقر بعمق وثبات في الكينونة الإنسانية.

ومع كل ذلك، يعتقد النورسي أن التكرار الذي نتحدث عنه في القرآن الكريم، هو تكرار صوري، حيث لا تكرار حقيقة فيه، لأن المسألة الواحدة تعرض في سياقات متنوعة وفي إطار نظم آخر، فلا يعد هذا تكرارا حقيقيا(3).

ويتحدث النورسي عن إعجاز آخر في القرآن غفل عنه السابقون في رأيي وهو تأكيده على جامعية القرآن الكريم الخارقة التي تجمع بين الألفاظ ومعانيها، من العقائد والسنن والشرائع والآداب والأخلاق وأنظمة الحياة والقصص وأخبار الآخرة، بحيث تشكل سقفا زمانيا، يفهمه المختلفون في المستويات في زمان واحد، كل حسب علمه وفهمه وعصره(4).

وكان النورسي منتبها ودقيقا عندما فوت الفرصة أمام المتصيدين في الماء العكر من اللاعبين بألفاظ القرآن، فاشترط أن تُفهم هذه الجامعية في حدود ألفاظ وتراكيب اللغة العربية وفي إطار أصول الشريعة ومقاصدها وأسرارها(5).

ويبنى النورسي على تلك الجامعية المعجزة، أن القرآن الكريم من أوله إلى آخره كالكلمة الواحدة، لا تنافر بين آياته، ولا تصادم بين أحكامه ولا اختلاف مع مقدمه ومؤخره. فعلى الرغم من أنه "نـزل منجما نجماً نجماً لمواقع الحاجات نـزولا متفرقا متقطعا فإنه يجمع السلاسة الرائقة والسلامة الفائقة، والتساند المتين والتناسب الرصين والتعاون القوى بين الجمل وهيئاتها والتجاوب الرفيع بين الآيات ومقاصدها". (6)

ـ ويتحدث النورسي عن الإعجاز في المعاني القرآنية بالقياس إلى المعاني التي كانت سائدة في الجاهلية. ولعله يريد أن يقول إن الإنسان أبن بيئته، فكيف خرج عربي أمي كان يعيش في هذه البيئة المغلقة عن تلك المعاني السائدة كليا. (7)

ـ ويتحدث عن فصاحته الخارقة التي لا تورث الملل فهو عذب سائغ، يحافظ على طراوته وحلاوته، ويعبر عن المقاصد التي أراد أن يضعها أمام البشرية بفطرية ناصعة.(8)

أما التصوير الفني فقد أدركه النورسي، إذ يذهب إلى "أن السحر البياني إذا تجلى في الكلام صير الأعراض جواهر والمعاني أجساما والجمادات ذات أرواح والنبات عقلاء فيوقع بينها محاورة قد تنجر إلى المخاصمة وقد توُصل إلى المطايبة فترقص الجمادات في نظر الخيال". (9)

ولا يقف النورسي عند هذا الحد، بل يعرض عالمية الخطاب القرآني واستحالة أن يصدر مثل هذا الخطاب من رجل أمّي، وأن يكون مستمرا في التنوير والإرشاد للطبقات جميعها.(10)

ويتحدث أيضا حديثا مطولا عن إخبارات القرآن بالغيب، مما يعدّه البعض من دلائل النبوة وليس من إعجاز القرآن.(11)

_________________________

(1)- دلائل الإعجاز ص 43،88،95،117 ت ش عبد المنعم الخفاجي ط 1 القاهرة

(2)- الكلمات ص 432،433،437

(3)- الكلمات ص 265

(4)- الكلمات ص 451 وما بعدها.

(5)- الكلمات ص 881

(6)- الكلمات ص 481-482

(7)- الكلمات ص 430

(8)- إشارات الإعجاز

(9)- الكلمات ص 481-482

(10)- المثنوي ص 224

(11)- المثنوي ص 304